الموقف الإعلامي

كاريكاتور

الصحف العربية و العالمية

مجلة الجيش
إقرأ في هذا العدد

أرشيف مجلة الجيش
و الدفاع الوطني

مجلة الدفاع الوطني
إقرأ في هذا العدد

القائمة البريدية
:البريد الإلكتروني
إشترك
إلغاء الإشتراك

 
 
العماد ميشال سليمان قائد وإنسان 1998 - 2008

Download High Resolution Image - تحميل الصورة بالجودة العالية  

• مقدمة

من بلدة عمشيت المتربعة على عرش شاطئ الحرف والنور، الشاهدة على عظمة شعب جبل بدمائه الزكية تراب أرضه، إلى المدرسة الحربية مصنع الرجال الأشداء، الملقى على عاتقهم حماية الوطن من كلّ طامع وغادر، إلى الانخراط في ميدان العطاء وتجسيد القيم والمبادئ العسكرية، أفعالاً يومية يظللها العلم اللبناني ولواء الشرف والتضحية والوفاء، إلى سدة قيادة الجيش وصولاً إلى هذا اليوم، مسيرة خط صفحاتها قائد الجيش العماد ميشال سليمان، ليختصر حقبة من الزمن امتدت على مساحة الوطن الذي حمل جرحه بصمت أبلغ من الكلام، ومضى على طريقه متسلحاً بقسم أكبر من الحياة، وإيمان راسخ لا يتزحزح بسمو الرسالة المحصنة بسيل التضحيات ونهر دماء الشهداء الذي لا ينضب.

• سيرة قائد الجيش العماد ميشال سليمان الذاتية في سطور

- من مواليد 21/11/1948 في بلدة عمشيت ـ قضاء جبيل.
- تطوع في المدرسة الحربية بصفة تلميذ ضابط عام 1967 وتخرّج منها برتبة ملازم  عام 1970 .
- شغل خلال خدمته العسكرية الوظائف التالية: آمر فصيلة مشاة ـ آمر سرية-  قائد كتيبة ـ  مدرب في المدرسة الحربية ومدرسة الرتباء - رئيساً لفرع مخابرات جبل لبنان - أميناً للأركان - قائداً للواء الحادي عشر -  قائداً للواء المشاة السادس وحتى تعيينه قائداً للجيش اللبناني بتاريخ 21/12/1998.
- تابع دورات عسكرية عديدة منها: دورة تدرج في بلجيكا - دورة تقنيات عمل الأركان في فرنسا  - دورة أركان في كلية القيادة والأركان - دورة إدارة الموارد الدفاعية في الولايات المتحدة الأميركية .
- حائز على إجازة في العلوم السياسية والإدارية من الجامعة اللبنانية ويتقن اللغتين الإنكليزية والفرنسية.

•  إلى سدّة القيادة

في الواحد والعشرين من كانون الأول عام 1998، مرحلة جديدة في المسيرة الطويلة بدأت خطوتها الأولى بتولي العماد سليمان سدة قيادة الجيش، فكان أمر اليوم الأول الذي توجه به إلى العسكريين بالمناسبة، المعبر في خطوطه العريضة عما يجول في خاطره من مبادئ وثوابت، تؤسس لنهضة الجيش ليكون الحارس الأمين للوطن، القادر على صونه ودرء العواصف عنه.

وقد جاء في أمر اليوم:
في يقيني أن اسطع مبادئ الوفاء والائتمان، تتجلى في التزام أوامر السلطة الإجرائية وفي الابتعاد كل البعد عن التجاذبات السياسية، وأن نكون ذراع الشرعية وليس بديلاً عنها، وأن نبذل كل الجهد من أجل تطوير المستوى الذي بلغه الجيش في تنظيمه، وانصهاره الوطني، وتوازنه المنزه عن الطائفية والمستند إلى الكفاءة والأهلية.

• تطلعات كبيرة وخطوات واعدة
منذ ذلك اليوم انطلقت ورشة العمل في القيادة عبر اجتماعات مكثفة بين قائد الجيش وأركان هذه القيادة، وقادة الوحدات الكبرى، للنهوض بالمؤسسة في مختلف المجالات، كما تم إرساء جملة من الثوابت الوطنية والعسكرية، بما يتوافق مع القضايا الوطنية المطروحة والمصلحة العليا للوطن.

في مجال الدفاع، كان القرار بنشر نصف وحدات الجيش على خطوط المواجهة مع العدو الإسرائيلي في الجنوب والبقاع الغربي، وكانت الأوامر واضحة بدعم المقاومة الوطنية، والتصدي الفوري لأي اعتداء إسرائيلي بكل الإمكانيات والوسائل المتوافرة.

وعلى الصعيد الأمني، أكد العماد سليمان في توجيهاته إلى العسكريين بأن الاستقرار الأمني في البلاد هو من المقدسات، ومن دونه لا يمكن أن تقوم ديمقراطية وحرية أو تتحقق عدالة اجتماعية أو يزدهر اقتصاد.

وعلى الصعيد الإنمائي أعطيت التوجيهات لمختلف وحدات الجيش بوجوب الإسهام بفعالية في هذا المجال الحيوي انطلاقاً من أن الأمن والنهوض الإنمائي والاقتصادي في البلاد توأمان لا ينفصلان.

أما في الإطار الداخلي للمؤسسة فقد ركز قائد الجيش على الاهتمام الأقصى بالتدريب للمحافظة على أعلى جهوزية لدى الأفراد والمجموعات، وبموازاة ذلك لم يدخر العماد سليمان جهداً في سبيل توفير المستطاع من العتاد والسلاح ضمن الموازنة المخصصة للجيش وقبول المساعدات من الدول الشقيقة والصديقة، مشترطاً في ذلك أن لا تؤدي هذه المساعدات إلى رسم سياسة الجيش أو التدخل في أدائه.
 
• عين على الجنوب وعين على الداخل:

  في خطواته الأولى التي بدأت مع مطلع العام 1999، أكد العماد سليمان للضباط والعسكريين خلال  جولته على الوحـدات العسكـرية المنتشرة على جبهة المواجهـة في شرقي صيدا وإقليـم التفـاح بتاريـخ 14/1/1999، على الدور الوطني للمؤسسة العسكرية في الدفاع عن الجنوب والبقاع الغربي في وجه العدو الإسرائيلي، وفي المحافظة على الأمن الداخلي للبلاد، مشدداً على أن التهديدات الإسرائيلية بمختلف أشكالها، لن تثنينا عن ممارسة حقنا المشروع في الدفاع عن أرضنا.

 زيارة الملك عبد الله الثاني الى لبنان

في الثالث عشر من شهر أيلول 1999 وصل الملك عبد الله الثاني إلى لبنان، وقد شملت زيارته لقاء العماد سليمان، وحضوره إلى جانب فخامة رئيس الجمهورية العماد اميل لحود مناورة عسكرية لفوج مغاوير البحر في مستيتا، وقد أعرب العاهل الأردني عن إعجابه بفوج مغاوير البحر وتقديره له، ثم كانت كلمة للعماد سليمان رحب فيها بالملك عبد الله وشكره على اختياره فوج مغاوير البحر ضمن برنامج زيارته الكريمة للبنان، ثم قدم شعار الجيش اللبناني لجلالته تكريماً له.

على صعيد آخر، وفي سياق النهج الذي اتبعه لتفعيل علاقات التعاون بين الجيش اللبناني والجيوش الشقيقة والصديقة، التقى العماد سليمان بتاريخ 30/12/ 1999 العقيد الركن الدكتور بشار الأسد في حفل إفطار أقامه على شرفه في منزله في الفياضية، وكانت مناسبة تم خلالها عرض العلاقات الأخوية بين الجيشين الشقيقين.

• عملية الضنية

في أول محطة أمنية حاسمة خاض غمارها الجيش بإشراف العماد سليمان شخصياً، قامت وحدات منه مع مطلع العام 2000 بتنفيذ عملية عسكرية واسعة في منطقة جرود الضنية ضد اكبر مجموعة إرهابية منظمة عرفتها البلاد، حيث تمكنت قوى الجيش من القضاء على هذه المجموعة واعتقال معظم أفرادها، وقد سقط للجيش في حينه ضابط وعشرة عسكريين شهداء.

وفي جولته على منطقة الضنية، أكد العماد سليمان أمام العسكريين أن من يتعرض لمسيرة الأمن يتساوى بالمتعامل مع العدو، كما توجه إلى أهل الضنية قائلاً لهم أن هذا الجيش هو جيشكم، والضنية وأهلها براء من قتلة غادرين يحاولون تشويه صورتها وصورة أهلها.

• فجر التحرير

الخامس والعشرون من شهر أيار عام 2000، يوم تاريخي في حياة لبنان، تمثل باندحار العدو الإسرائيلي عن القسم الأكبر من أراضي الجنوب والبقاع الغربي، وبهذه المناسبة وجه العماد سليمان أمر اليوم إلى العسكريين جاء فيه: إن أهم ما ينتظركم هو حماية هذا الانتصار الوطني مما يخفيه العدو الإسرائيلي من دسائس ومخططات، وقدرات الجيش جميعها يجب أن تكون جاهزة لمد يد العون إلى المواطنين، توخياً للإسراع بعودة الجنوب إلى أحضان الوطن.

وتأكيداً على ترسيخ حالة الاستقرار في المناطق المحررة، اتخذ القرار السياسي بإرسال قوة أمنية إليها، مؤلفة من وحدات تابعة لقوى الأمن الداخلي، ووحدات أخرى تابعة للجيش شكلت عظيم هذه القوة. واستكمالاً للتحرير شكلت قيادة الجيش لجنة من الضباط لترسيم الخط الأزرق على الحدود الجنوبية، وباشرت عملها خلال شهر حزيران بالتعاون مع قوات الطوارئ الدولية وقد تمكنت اللجنة من إنجاز مهامها بعد أن بذلت جهوداً جبارة في سبيل الحفاظ على الحقوق اللبنانية.

وفي حدث إقليمي لافت، أعلن بتاريخ 10/6/2000 عن وفاة  الرئيس السوري حافظ الأسد، ولهذه المناسبة توجه قائد الجيش العماد ميشال سليمان بتاريخ 13/6/2000 إلى دمشق على رأس وفد من كبار الضباط حيث قدّم التعازي للفريق بشار الأسد الذي انتخب بتاريخ 10/7/2000 رئيساً للجمهورية العربية السورية.

• أحداث الحادي عشر من أيلول

في الحادي عشر من أيلول استيقظ الشعب الأميركي على بيرل هاربور القرن الواحد والعشرين بعدما صدمت طائرتا ركاب خطفهما انتحاريون من مطار بوسطن، مركز التجارة العالمي في منهاتن في نيويورك، كما صدمت طائرة ثالثة مبنى وزارة الدفاع الأميركية ـ البنتاغون في واشنطن.

استنكر لبنان حكومة وشعباً وجيشاً هذا الاعتداء الوحشي الآثم، فيما تطرق العماد سليمان بإسهاب إلى الموضوع في حديثه إلى مجلة الجيش، حيث قال: إننا نستنكر بشدة ما حصل في الولايات المتحدة وموقفنا من الإرهاب واضح، والجيش اللبناني تصدى في مناسبات عديدة للإرهاب، ولم يكن تدخله بناء لطلب من أي جهة، دولية كانت أم إقليمية، كما لم يقل لنا أحد أن هناك إرهاباً فتدخلوا.

• زيارة المملكة العربية السعودية

  استهل العماد سليمان عمله في العام 2002 بزيارة مميزة إلى خارج لبنان، حيث توجه بتاريـــخ 12/1/2002 إلى المملكة العربية السعودية على رأس وفد مرافق تلبية لدعوة رسمية، والتقى خلال زيارته ولي العهد في حينه الأمير عبدالله بن عبد العزيز، إلى جانب عدد من المسؤولين السعوديين. وتناولت لقاءاته سبل تفعيل التنسيق والتعاون بين الجيشين الشقيقين اللبناني والسعودي.

أطل العام 2003 وقد أثبتت المؤسسة العسكرية مناعتها، ورسخت ثقة المواطنين العارمة بدورها في صون وحدة الوطن والحفاظ على أمنه واستقراره وقدرتها على مواجهة الأحداث والصعاب.

إقليميا،ً بدأت ملامح مرحلة جديدة تطل برأسها على المنطقة العربية، من خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأميركية على العراق في العشرين من شهر آذار. وكان العماد سليمان قد أدلى في أوائل شهر كانون الثاني بحديث مطول إلى مجلة الجيش تناول فيه رؤيته للوضع في العراق وأهداف الحرب المرتقبة عليه، جازماً حصولها ومعللاً خلفيات وأسباب رؤيته هذه.

إلى جانب مواظبته على تنفيذ مهامه الدفاعية والأمنية والإنمائية على امتداد مساحة الوطن، شهد شهر كانون الأول من العام 2003 أكبر عملية قامت بها وحدات من الجيش معززة بطوافات عسكرية في منطقة البقاع الشمالي للقضاء على آفة المخدرات، وقد شكلت العملية إشارة واضحة إلى إسقاط وجود محميات أمنية أو مناطق عاصية على الدولة.

وفي مهمة فريدة من نوعها خارج الأراضي اللبنانية، اتخذ العماد ميشال سليمان قراراً بإرسال وحدة مختصة من فوج مغاوير البحر إلى دولة بنين في أفريقيا للإسهام في إنقاذ ركاب طائرة تحطمت في البحر قرب مطار كوتونو بتاريخ 25/12/2003. حيث أسهمت بصورة فعالة في انتشال جثث الركاب من البحر وإنقاذ 22 راكباً بينهم ستة عشر من الجنسية اللبنانية.

• استحقاقات هامة

عام 2004 كان حافلاً بالاستحقاقات والتطورات المحلية، وأبرزها عملية تبادل الأسرى والجثامين بين العدو الإسرائيلي ولبنان التي جرت في 29 من كانون الثاني بإشراف وتنسيق فريق الوساطة الألماني، كما شملت العملية تسلم الجانب اللبناني بعض خرائط الألغام في الجنوب ومعلومات عن مفقودين.

• زيارة الكويت

تلبية لدعوة رسمية من رئيس الأركان العامة في الجيش الكويتي، الفريق الطيار ركن فهد أحمد الأمير، توجه قائد الجيش العماد ميشال سليمان على رأس وفد من كبار ضباط القيادة إلى دولة الكويت اعتباراً من التاسع والعشرين من أيار ولغاية الثالث من حزيران، حيث التقى خلال زيارته النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الشيخ جابر المبارك الحمد الصباح، وجرى خلال اللقاءين عرض لعلاقات الأخوة والتعاون بين القوات المسلحة اللبنانية والكويتية.

• القرار 1559

مع حلول فصل الصيف وقرب موعد الانتخابات الرئاسية، تصاعدت حدة التجاذبات السياسية في الداخل، بحيث تحول هذا الاستحقاق إلى أزمة في البلاد اتخذت لها أبعاداً إقليمية ودولية. وبناءً على دعوة كل من الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا انعقد مجلس الأمن الدولي بتاريخ 2/9/2004 وأصدر القرار 1559، وبتاريخ 4/9/2004، عقد المجلس النيابي اللبناني جلسة تم خلالها تعديل المادة 49 من الدستور والتمديد للرئيس لحود مدة ثلاث سنوات إضافية.

• تحولات مصيرية ووقفة وطنية مسؤولة

العام 2005، كان عام التحولات المصيرية بامتياز، إذ شهد أحداثاً أمنية خطيرة وتطورات متسارعة كان لها أثرها البالغ على مسار الحياة السياسية اللبنانية، ففي الرابع عشر من شباط اهتز لبنان بأسره لجريمة الاغتيال الوحشية التي أودت بحياة الرئيس رفيق الحريري وعدد من رفاقه بينهم الوزير السابق باسل فليحان، في انفجار هائل تعرض له موكبه بالقرب من فندق السان جورج، وقد لاقت هذه الجريمة استنكاراً محلياً وإقليمياً ودولياً واسعاً، وفي الثامن والعشرين من شهر شباط عقدت جلسة مناقشة نيابية صاخبة رافقها تجمع حشود شعبية أمام مقر المجلس منددة بالحكومة ومطالبة بإسقاطها، وإزاء احتدام الوضع كان قرار قيادة الجيش الحازم والواعي بعدم الاصطدام مع المتظاهرين، وفي الوقت عينه عدم السماح لهؤلاء بمحاولة اقتحام مقر مجلس النواب أو أي من المؤسسات الدستورية.

خلال جلسة المناقشة أعلن الرئيس عمر كرامي تقديم استقالته مما أحدث انعطافاً أساسياً في الحركة السياسية الداخلية، وفي السابع من شهر آذار اجتمع المجلس الأعلى اللبناني السوري برئاسة الرئيسين اميل لحود وبشار الأسد، وتقرر بنتيجة الاجتماع إعادة انتشار القوات السورية في لبنان وقد شرعت هذه القوات بعد يومين بتنفيذ انسحابات واسعة من مناطق الجبل والشمال.

 ومن الجدير ذكره، الخطوة النوعية البارزة التي شهدتها المؤسسة العسكرية خلال هذا العام في مجال تطوير بنيتها التنظيمية، فإزاء تعاظم دور الجيش وتوسع مهامه الدفاعية والأمنية والإنمائية على مساحة الوطن، وفي ظل صدور قانون إلغاء خدمة العلم في 4/2/2005، باشرت قيادة الجيش بتنفيذ مخطط إعادة تنظيم وهيكلة الجيش، عبر إعادة تنظيم الألوية بما يتناسب مع عديدها وتحويلها إلى ألوية خفيفة، إضافة إلى إنشاء فوجي مدرعات.

استمرت الأوضاع بالتفاقم وصولاً إلى تظاهرتي 8 و14 آذار، وأمام الانقسام الحاد بين المعارضة والموالاة في حينه، وعجز الآليات الدستورية عن إعادة إنتاج الاستقرار السياسي في البلاد، رأى العماد سليمان أن الوضع القائم بات يهدد سلامة الوطن واستقراره ووحدة شعبه، حيث أطلق شعاره الشهير "الإرادة الوطنية الجامعة" وجوهر هذا الشعار يقوم على التزام الجيش تنفيذ قرارات السلطة الإجرائية المستندة الى هذه الارادة، وفي إطار المصلحة الوطنية العليا. ترافقت هذه التطورات المتسارعة لاحقاً مع صدور تقرير بعثة التقصي الدولية حول جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي كانت قد شكلت بقرار من مجلس الأمن. إضافة إلى تفجيرات إرهابية طاولت العديد من المناطق اللبنانية.

في 19/4/2005 تم تشكيل حكومة انتقالية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي عيّن فيها الأستاذ الياس المر وزيراً للدفاع الوطني، وكلفت هذه الحكومة بمهمة أساسية هي الإشراف على إجراء الانتخابات النيابية، فيما كانت القوات العربية السورية تتابع عملية انسحابها من لبنان بسرعة مضطردة لتكتمل نهائياً في السادس والعشرين من شهر نيسان، حيث أقيم في هذا التاريخ احتفال وداعي لهذه القوات في قاعدة رياق الجوية، بحضور قائد الجيش العماد ميشال سليمان والعماد علي حبيب رئيس هيئة الأركان العامة للجيش والقوات المسلحة العربية السورية، وحشد من الشخصيات الرسمية والوطنية. جرى خلاله تبادل أوسمة بين القيادتين ووضع حجر الأساس لإقامة نصب تذكاري لشهداء القوات العربية السورية الذين سقطوا دفاعاً عن لبنان أثناء تصديهم للاعتداءات الإسرائيلية.

رافقت عملية الانسحاب هذه الكثير من الشائعات والتساؤلات حول الفراغ الأمني الذي يمكن أن يحدث عنها، إلاّ أن قيادة الجيش استدركت الأوضاع، وعملت بسرعة قياسية على تسلم مراكز القوات العربية السورية، ونشر وحدات الجيش في المناطق التي أخلتها، خصوصاً في مدينة طرابلس التي لم يدخلها الجيش منذ نحو ثلاثين عاماً، إضافة الى بعض مناطق عكار والبقاع.

 في الرابع والعشرين من شهر أيار وصل رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي ديتلف ميلس إلى لبنان ليبدأ مهامه في التحقيق بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري تنفيذاً لقرار مجلس الأمن رقم 1595 تاريخ7/4/2005،وقد بادرت قيادة الجيش إلى وضع وحدة مختصة من المكافحة بتصرف اللجنة لتوفير الأمن لها في مقر إقامتها، ومواكبة رئيسها وأعضائها أثناء تنقلاتهم وقيامهم بأعمالهم المختلفة.

وفي استحقاق آخر لا يقل أهمية عمّا سبق، جرت أول انتخابات نيابية في لبنان بعد انسحاب القوات العربية السورية، خلال الفترة الممتدة من 29/5/2005 ولغاية 19/6/2005، حيث عمل الجيش بفعالية في تأمين المناخ الأمني السليم لها، على الرغم مما رافقها من انفعالات عاطفية وتجاذبات سياسية حادة لامست حدود الطائفية أحياناً.

في الثلاثين من شهر آب، وبناءً على توجيه رئيس لجنة التحقيق الدولية القاضي ديتلف ميلس واشارة النيابة العامة التمييزية، أوقف عدد من رؤساء الأجهزة الأمنية اللبنانية، حيث تم نقلهم إلى مقر لجنة التحقيق الدولية في المنتفردي ومنها لاحقاً إلى سجن رومية.

انتهى العام 2005 مخلفاً وراءه تحديات كبيرة،وتداعيات وأحداث إرهابية خطيرة شملت إلى ما سبق ذكره، اغتيال ومحاولات اغتيال عدد من الشخصيات الوطنية والإعلامية، وحصول عدد من التفجيرات الإرهابية.
إلاّ أن قائد الجيش العماد ميشال سليمان أكد أكثر من مرة، بأن الأحداث الأمنية الحاصلة وعلى تعددها ستبقى في إطار حجمها الطبيعي، ولن يسمح الجيش للمتربصين شراً بالوطن، من تحويلها إلى فتنة واسعة تأخذ طابع الشمولية.

• محطات حاسمة ومهام على مساحة الوطن

اطل العام 2006 على آفاق ملبدة بالغيوم، إذ اشتدت حدة التجاذبات السياسية، وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، التقى قائد الجيش العماد ميشال سليمان في الثالث من شهر شباط وفداً من المجلس الوطني للإعلام برئاسة الأستاذ عبد الهادي محفوظ، وعقب الاجتماع صدر بيان عن المجلس تناول فيه مواقف وأراء العماد سليمان تجاه معظم القضايا المحلية المطروحة، وأبرز ما نقل عنه:

أن لا مكان للحرب الأهلية في لبنان، فالقوى الفاعلة الرئيسية هي ضد تخريب السلم الأهلي، كما أن الجيش اللبناني على علاقة جيدة بكل الأطراف، مؤكداً قيامه بخطوات مستمرة في مجال تحصين المؤسسة العسكرية.

• زيارة قطر

بناء على دعوة رسمية، توجه قائد الجيش العماد ميشال سليمان على رأس وفد عسكري إلى دولة قطر بتاريخ 19/2/2006 في زيارة استمرت لمدة أربعة أيام، حيث التقى بعد وصوله رئيس أركان القوات المسلحة القطرية اللواء الركن حمد بن علي العطية في مكتبه، ثم زار سمو الشيخ عبد الله بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء في مكتبه في الديوان الأميري، وتم خلال اللقاء استعراض علاقات التعاون بين البلدين وسبل تطويرها لا سيما في المجالات العسكرية.

• في رحاب الشهادة

في قضية ترتبط مباشرة بالمؤسسة العسكرية، شكلت ولا تزال هاجساً مؤلماً في ضمير قائد الجيش، وهي قضية العسكريين المفقودين خلال سنوات الأحداث، والعسكريين الذين وضعت رفاتهم في المدافن الخاصة بالعسكريين الشهداء في وزارة الدفاع الوطني وتعذر تحديد هوياتهم بسبب الحروق والإصابات الجسدية البالغة التي لحقت بهم في حينه، شكلت قيادة الجيش بتاريخ 29/10/2005 لجنة مختصة أوكلت إليها متابعة تحديد هوية عشرين رفاتاً في المدافن المذكورة، مستندة في عملها إلى التقدم العلمي الحاصل في مجال علم الوراثة الذي بدأ تطبيقه فعلياً في لبنان بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه خلال العام 2005، حيث باشرت اللجنة مهامها بإشراف النيابة  العامة العسكرية، وتمكنت  خلال شهر آذار من العام 2006 من تحديد هوية عشرة عسكريين، كما تمكنت اللجنة لاحقاً من تحديد هوية 7 رفات آخرين، وقد أجريت لهؤلاء الشهداء مراسم التكريم اللازمة أمام المستشفى العسكري المركزي في بدارو بتاريخ 18/3/2006. كما اتخذت الإجراءات الإدارية كافة لتأمين كامل الحقوق المادية لذويهم، بما فيها تخصيص منزل مجاني على نفقة الجيش لكل عائلة شهيد.

في حديث هام أدلى به لصحيفة الشرق الأوسط، ونشر في  عددها الصادر بتاريخ 23/3/2006، تمحور حول أوضاع المؤسسة العسكرية والمواقف من القضايا الراهنة، اعتبر العماد سليمان أن الجيش تعرض للكثير من الضغوطات منذ اغتيال الرئيس الحريري، وتضاعفت مهامه بشكل كبير جداً إثر انسحاب القوات السورية وصدور قانون خدمة العلم الذي خفّض عديده من 65 ألفاً إلى 45 ألفاً،  ورداً على سؤال حول موقع الجيش من التغيرات، رأى العماد سليمان أن السؤال المتوجب طرحه هو عن موقع التغيرات من الجيش وليس العكس، فالجيش لا يزال على عقيدته ونهجه، وهذه العقيدة لم تتغير حيال العدو، ويجمع عليها جميع الأفرقاء اللبنانيين.

وعن العلاقة مع الجيوش الغربية والأجنبية، اعتبر أنها قديمة وتأتي ضمن إطار الاحترام والندية، وهذا ينطبق على سوريا وغيرها. وليس من شأن أي مساعدة تقدم للجيش أن ترسم له دوره وسياسته.

• زيارة الأردن

ومن نشاطات القائد المميزة خلال هذا العام زيارته اعتباراً من 14/5/2006 ولغاية 17/5/2006 المملكة الأردنية الهاشمية على رأس وفد مرافق، تلبية لدعوة رسمية من رئيس هيئة الأركان المشتركة في الجيش العربي الأردني الفريق الأول الركن خالد جميل الصرايرة، حيث التقى خلال زيارته جلالة الملك عبد الله الثاني وبحث معه في علاقات الأخوة والتعاون التي تجمع الجيشين اللبناني والأردني. وفي إنجاز أمني لافت، تمكنت مديرية المخابرات في الجيش خلال شهر حزيران من اكتشاف شبكة إرهابية تعمل لصالح المخابرات الإسرائيلية، حيث اعترف أبرز أعضائها وهو المدعو محمود رافع بإقدام الشبكة على اغتيال الاخوين مجذوب في صيدا بتاريخ 26/5/2006 وكل من المسؤول في حزب الله علي صالح في محلة الكفـاءات بتاريخ 2/8/2003، والمسؤول الفلسطيني جهاد احمـد جبريـل فـي بيروت بتـاريـخ 20/5/2002، إضافة إلى وضع عبوات ناسفة في أماكن مختلفة.

• عدوان 12 تموز 2006

مرَّة جديدة دفع العدو الإسرائيلي بأسلحته المدمِّرة باتجاه لبنان في حرب مفتوحة بدأت من الجنوب في 12 تموز تحت ذريعة خطف المقاومة جنديين إسرائيليين، وما لبثت أن امتدَّت إلى المناطق اللبنانية كافة، كما استهدف العدوان مواقع الجيش على كامل رقعة الوطن، مرتكبًا مجازر بشعة لا سيما في فوج الأشغال المستقل في الجمهور وفي مركزي وجه الحجر والعبدة التابعين للقوات البحرية في منطقة الشمال، حاصدًا 47 شهيدًا وعدداً كبيراً من الجرحى. وخلال هذه الحرب كان الجيش في ساحة المواجهة يعكس صورة الوطن بحيث قامت وحداته في أماكن انتشارها بأداء دورها الدفاعي بكل القدرات المتاحة لديها، من خلال التصدِّي للطائرات المعادية وإحباط العديد من محاولات الإنزال والتسلل لا سيما في صور والبقاع وسلسلة الجبال الغربية. وفي أثناء الحرب كان للعماد سليمان سلسلة من الجولات الميدانية على الوحدات العسكرية المنتشرة في مختلف المناطق ومن بينها مراكز الجيش التي استهدفها العدوان الإسرائيلي.

وبعد مرور أكثر من شهر كارثي ومأسوي على الصعد كافة، وخلاصة مشاورات ماراتونية، تبنَّى مجلس الأمن فجر 11 آب وبالإجماع القرار 1701 الذي دعا إلى وقف كامل لجميع الأعمال الحربية, وانتشار الجيش اللبناني وقوى تابعة للأمم المتحدة جنوبي نهر الليطاني.

وفور صدور القرار، سارعت دول عديدة للتعبير عن رغبتها بتقديم مساعدات تقنية ولوجستية للجيش، وذلك في ظل مناخ من التشكيك بقدرته على القيام بهذه المهمة الكبيرة والدقيقة، لكن العماد سليمان آثر أن يقوم الجيش بمفرده وبطاقاته الذاتية بتنفيذ عملية الانتشار، بعد أن استدركت القيادة مسبقاً وأثناء العدوان إمكانية حصول هذا الإحتمال وعملت على إعداد كامل الخطط التنظيمية واللوجستية المناسبة.

عند الثامنة من صباح 14 آب توقَّف العدوان الإسرائيلي، لتنطلق رحلة عودة النازحين  إلى أرضهم وبيوتهم. ويسارع الجيش اللبناني بعد غياب جاوز الثلاثة عقود للتوجه إلى حدوده الجنوبية، و ينشر نحو 15 ألفاً من عناصره خلال أيام معدودة في أكبر عملية انتشار له في تاريخ لبنان، أطلق عليها اسم " الإرادة الوطنية الجامعة"، فيما تزامنت هذه المهمة مع نشر الجيش نحو تسعة آلاف من عناصره على امتداد الحدود البرية والبحرية اللبنانية لضبط المعابر ومنع أعمال التهريب على أنواعها،الأمر الذي أدهش المجتمع الدولي وأثار إعجابه بكفاءة الجيش اللبناني ودوره الوطني الكبير.

بتاريخ 2/10/2006 رفع العماد سليمان العلم اللبناني على تلَّة اللبونة الحدودية المتاخمة لرأس الناقورة، وجال على القوى المنتشرة يتفقدُّها ويمضي يومين مع الجنود في خيمة نُصبت قرب عين إبل، ويخاطبهم قائلاً: "إعلموا أنكم هنا ليس لمشاهدة ما يحصل، وأن كل خرق تقوم به قوات الإحتلال يجب التصدي له بالقوة اللازمة وبما لديكم من أسلحة".

وإذا كانت الشهادة في سبيل الوطن هي أعلى مراتب التضحية، فإن الوفاء لدماء الشهداء هو واجب يقع في صلب مبادئ المؤسسة العسكرية وتقاليدها العريقة، والتزاماً بذلك وبرعاية قائد الجيش العماد ميشال سليمان وحضور ذوي الشهداء، أقيم احتفال في اليرزة بتاريـخ27/10/2006 جرى خلاله تكريم 47 شهيداً سقطوا إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان.
بناءً على دعوة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري عقدت جلسات تشاور بين الأفرقاء  الأساسيين في البلاد لإيجاد حلول لمختلف المشاكل القائمة، حيث بدأت في السادس من تشرين الثاني 2006 واستمرت لغاية الحادي عشر منه، ولم تسفر عنها أي نتائج ملموسة. على أثر ذلك قررت المعارضة تصعيد الموقف والبدء بتنفيذ اعتصام مفتوح في ساحتي رياض الصلح والشهداء.

وإزاء سريان شائعات قوية في البلاد حول نوايا بعض الأفرقاء بمحاصرة واقتحام كل من القصر الجمهوري والسراي الحكومي، بادرت قيادة الجيش إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة حول هاتين المؤسستين الدستوريتين، للحؤول دون  التعرض لهما.

قررت المعارضة تحديد موعد البدء بالاعتصام اعتباراً من أول كانون الأول، حيث شهد هذا اليوم تظاهرة شعبية حاشدة غطت ساحتي رياض الصلح والشهداء. وفي اليوم الثالث من الاعتصام حصل إشكال في محلة قصقص، سقط بنتيجته شهيد وعدد من الجرحى في صفوف المواطنين، وقد تدخلت على الفور قوى الجيش وعملت على تطويق ذيول الحادث وإعادة الوضع إلى طبيعته.

أمام هذا الوضع الخطير المشحون بتناقضات سياسية حادة وانعدام للثقة بين الأطراف، عممت قيادة الجيش بتاريخ 7/12/2006 نشرة توجيهية على العسكريين ووسائل الإعلام، حملت صرخة حادة ورسائل قوية من العماد سليمان في أكثر من اتجاه جاء فيها: ثقوا بأن تضحياتكم لن تذهب هدراً بل ستثمر أمناً واستقراراً وسلاماً على مساحة الوطن، وستدفع بالمسؤولين في مواقعهم كافة وعلى مختلف المستويات، إلى اجتراح الحلول والإنعتاق من سجن المواقف المسبقة، فالتراجع عن الموقف الشخصي أو السعي لإيجاد حل في سبيل المصلحة العامة هو تضحية وشجاعة، كما أن التضحية في سبيل الوطن ليست واجباً على العسكريين فحسب، بل هي واجب على أبنائه جميعاً وتحديداً مرجعياتهم السياسية والروحية.

مع مطلع العام 2007 بدأت المعارضة الإعداد لتحرك شعبي من نوع جديد، ترجم بدعوتها اللبنانيين في الثالث والعشرين من شهر كانون الثاني، إلى الإضراب العام وإقامة تجمعات شعبية بهدف قطع الطرقات العامة في مختلف المناطق اللبنانية. وإزاء هذا الوضع الشديد التأزم، اتخذت قيادة الجيش تدابير أمنية مكثفة شملت جميع المناطق اللبنانية، وأعطيت التعليمات للوحدات العسكرية ببذل أقصى الجهود لمنع إغلاق الطرقات، وضمان عدم التعدي على أمن المواطنين وسلامتهم وعلى الممتلكات العامة والخاصة. وصباح يوم الإضراب، سارعت حشود من المعارضة إلى التجمع على الطرقات وإغلاقها عبر إحراق الإطارات ووضع المجسمات والأتربة، لتواجه بمجموعات أخرى تابعة للموالاة الأمر الذي أدى إلى حصول أعمال عنف بين الجانبين وإطلاق نار في بعض المناطق تسبب بسقوط عدد من الإصابات في صفوف المواطنين والعسكريين، فيما انبرت قوى الجيش للفصل بين الأفرقاء وملاحقة وتوقيف مطلقي النار والمخلين بالأمن، إلى جانب مواصلة العمل على فتح الطرقات أمام المواطنين. وعند حلول المساء انسحب الجميع من الساحات وعاد الهدوء ليخيم على الوطن المتشح بالدخان الأسود، في ظل سخط اللبنانيين وتساؤلاتهم حول ما آلت اليه الأوضاع ، وإقدام البعض على التلميح بوجود تباطؤ من الجيش في فتح الطرقات وقمع المتظاهرين. وبغية وضع الحقائق كاملة أمام العسكريين والرأي العام اللبناني، وجه قائد الجيش العماد سليمان تعميماً على العسكريين جاء فيه:

على الرغم مما حصل من أحداث مؤسفة، فإن جهودكم المضنية وتضحياتكم الجسام قد حالت دون تفاقم الوضع إلى الأسوأ، وأسهمت في تهدئة النفوس وإفساح المجال أمام أبناء الوطن الواحد للعودة مجدداً إلى جادة الحوار والتلاقي، ودفعتهم إلى التأمل بعمق بمجريات هذا اليوم، وأن ما أوحي به حول تقاعسكم أو تواطئكم خلال يوم أمس، في حين كنتم تتحملون العبء وحدكم، هو اتهام لا ضير فيه، إذا كان يساوي في الحقيقة خلاص الشعب من محنته.

وامتداداً لما جرى يوم الإضراب، حصل إشكال بين بعض الطلاب داخل حرم جامعة بيروت العربية في منطقة طريق جديدة، صباح الخامس والعشرين من الشهر نفسه، ما لبث أن توسّع إلى خارج الجامعة ليشمل عدداً من الأحياء المحيطة بها، ويتطور إلى صدامات تخللها استخدام الأسلحة الفردية ووسائل عنف، وإحراق سيارات وتعد على الأملاك الخاصة. على الفور بادرت قيادة الجيش إلى تعزيز القوى العسكرية الموجودة في هذه الأماكن، حيث تمكنت خلال ساعات معدودة من عزل مناطق التوتر ووقف المواجهات نهائياً بين المواطنين بعد أن تم توقيف العشرات من مطلقي النار والمشاغبين. وقد نتج عن هذه المواجهات وقوع عدد من الإصابات بين قتيل وجريح في صفوف المواطنين والعسكريين.

وبغية تمكن قوى الجيش من ضبط الأمن ومنع الإخلال بالنظام العام وملاحقة عناصر الشغب، أعلنت قيادة الجيش في بيان صدر عنها ليلاً، منع التجول في كامل محافظة بيروت اعتباراً من الساعة الثامنة والنصف ليلاً وحتى الساعة السادسة من صباح اليوم التالي، مستثنية من هذا القرار جهات وأشخاصاً من ذوي الأوضاع الخاصة.

 وإزاء ما حصل من أحداث مأساوية كادت تهدد السلم الأهلي في البلاد، عممت قيادة الجيشـ مديرية التوجيه نشرة توجيهية على العسكريين ووسائل الإعلام أوضحت تفاصيل ما جرى وحملت صرخة جديدة من قبل العماد سليمان إلى جميع الأفرقاء في الوطن جاء فيها:

بالأمس، تعرضتم لامتحان كبير، إذ وقفتم بين نارين، تواجهون كيد الفتنة بصدوركم، فسقط منكم عشرات الجرحى بالرصاص والآلات الحادة والحجارة، استخدمها مواطنون اخوة لكم، غررت بهم التجاذبات السياسية، فصبرتم ولم تبادلوهم الأذى بمثله، وترويتم مبرهنين عن انضباط وحرص شديد على هؤلاء الاخوة، واعلموا أن ما حصل لن يتكرر، فأنتم مدعوون إلى تطبيق القوانين والتعليمات بإشراف رؤسائكم بدقة متناهية وبكل حياد وتجرد، كي نفوت على العابثين بالأمن فرصة صرفنا عن مهمتنا في الجنوب، التي نصرّ على التمسك بها، انطلاقاً من قناعتنا الراسخة بأن دوركم في الداخل يتكامل مع دوركم في الجنوب، ونجاحكم في الجنوب يحصن مهمتكم في الداخل.

جنوباً، أثبت الجيش مرة أخرى التزامه واجبه الأصيل، وتشبثه بحقه المشروع في الدفاع عن الأرض والحفاظ على السيادة الوطنية، حين تصدت قواه ليل السابع من شهر شباط لجرافة تابعة للعدو الإسرائيلي أقدمت على اجتياز الخط الأزرق لمسافة 15 متراً في اتجاه بلدة مارون الراس الحدودية، حيث أجبرتها على التوقف ثم التراجع والانسحاب، فيما أطلقت قوات العدو النيران على أحد مراكز الجيش مما أدى إلى إصابة ناقلة جند بأضرار مادية.

• مواجهة الإرهاب

في الوقت الذي تنتشر فيه وحدات الجيش على امتداد مساحة الوطن في مهام الدفاع عن الحدود الجنوبية، وضبط ومراقبة الحدود البرية والبحرية وحماية الأمن والاستقرار في الداخل، وإثر مداهمة قوى الأمن الداخلي لخلية تابعة لتنظيم "فتح الإسلام" الإرهابي قام أفرادها بالسطو على أحد المصارف في منطقة الكورة، فوجئت مراكز الجيش في محيط نهر البارد وضواحي مدينة طرابلس فجر 20/5/2007 ، بهجوم غادر نفذه إرهابيو هذا التنظيم، الذين طاولوا بإجرامهم   الوحشي عدداً من  العسكريين العزّل المنتقلين إلى منازلهم أو إلى مراكز الخدمة، وذلك عن سابق تصور وتصميم، في محاولة تهدف إلى النيل من هيبة الدولة ومؤسساتها، وإرهاب الجيش في ظل التجاذبات السياسية الحادة التي تشهدها البلاد، وبالتالي إخضاع مدينة طرابلس ومخيمي البداوي ونهر البارد إلى نفوذهم.

لكن حساباتهم جاءت خاطئة، حيث استعادت قوى الجيش زمام المبادرة فوراً، وقامت بردة فعل سريعة، تمكنت خلالها من استرجاع مراكزها والقضاء على بعض الإرهابيين وتوقيف بعضهم الآخر، كما أحكمت الطوق على مخيم نهر البارد.

وعند هذا الحد، اتخذ قائد الجيش العماد ميشال سليمان قراراً بوقف الهجوم، حرصاً منه على حياة المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين، وإفساحاً في المجال أمام مساع قامت بها جهات عديدة لتسليم القتلة إلى العدالة، لكن جميع المبادرات باءت بالفشل، نتيجة تعنّت تنظيم فتح الإسلام وتمسكه بسلوكه الإجرامي العبثي.

وإزاء هذا الواقع اتخذت قيادة الجيش القرار بالحسم العسكري التدريجي آخذة في عين الاعتبار الأمور التالية:
- الحفاظ على أرواح المدنيين، وإعطائهم الوقت الكافي لمغادرة المخيم.

- الاستمرار بدعوة المسلحين لتسليم أنفسهم إلى الجيش، مع التشديد على إجراء محاكمة عادلة أمام القضاء.

- الحد من الخسائر البشرية في صفوف العسكريين نظراً للكمية الهائلة من الألغام والأفخاخ التي زرعها المسلحون في كل أرجاء المخيم، والحد قدر الإمكان من الأضرار في ممتلكات المدنيين.

لقد كان موقف العماد سليمان حاسماًً منذ البداية، إذ أكد أن أي حل لا يتضمن تسليم المجرمين إلى العدالة، هو بمثابة إساءة إلى كرامة الجيش والوطن، واعتداء صارخ على السيادة الوطنية، واعتبر بأن قرار العملية، صائب وصحيح ولا يمكن التراجع عنه، فخير للعسكريين أن يتلقوا الإصابات بصدورهم على أن تطال الوطن بأسره ، مشيراً إلى أن التفاف اللبنانيين والاخوة الفلسطينيين بمختلف فصائلهم وتوجهاتهم حول الجيش، هو تأكيد على إدانة الاعتداء ومبايعة للمؤسسة العسكرية على شرف المهمة التي تتولى القيام بها.

وفي النشرة التوجيهية التي عممت على العسكريين بتاريخ 22/6/2007، اعتبر قائد الجيش بأن دماء الشهداء العسكريين والمدنيين هي أمانة في أعناق الجيش الذي لن يستكين قبل تحقيق العدالة كاملة، وهي عامل توحيد للوطن، تسمو على أي توظيف أو طموح سياسي، وتخرج من حساب المكاسب في سوق الغالب والمغلوب، ويجب أن تشكل عبرة لجميع القادة والمسؤولين السياسيين في البلاد، تدفعهم بأسرع وقت ممكن إلى وقف الانقسام الداخلي ونبذ ثقافة التصادم، والتلاقي والحوار مجدداً من أجل إيجاد الحلول لمختلف المشاكل القائمة.

ومن الجدير بالذكر انه وسط انشغال وحدات الجيش في مواجهة الإرهاب وتنفيذ مهامها الوطنية على امتداد مساحة الوطن، وفي ظل أجواء سياسية مشحونة، جرت بتاريخ 5/8/2007 انتخابات نيابية فرعية في قضاء المتن، قام الجيش خلالها بتوفير الأمن وحرية التعبير للجميع، ولم يسجل في حينه أي حادث يذكر.

في أمر اليوم الذي وجهه إلى العسكريين بمناسبة عيد الجيش قال العماد سليمان: ثقوا بأن التضحيات الجسيمة التي قدّمها الشهداء والجرحى من رفاقكم الأبرار، في مواجهة الإرهاب المتلاقي مع العدو الإسرائيلي في استهداف أمن الوطن واستقراره، قد رسمت بالدماء حداً فاصلاً بين لبنان الواحد السيد المستقل، ولبنان التشرذم والتفكك والضياع، وبين لبنان الرسالة والنموذج الفريد في العالم، ولبنان الساحة المستباحة للآخرين، واعلموا أن هذه الدماء الزكية قد رسّخت في وجدان شعبكم معاني المواطنية الحقّة وجعلت منها قيمة نبيلة تستحق أن تبذل من أجلها أغلى العطاءات والتضحيات.

وخلال كل هذه المواجهات، كانت قضية الشهداء والجرحى العسكريين وعائلاتهم حاضرة دائماً في ضمير القائد ووجدانه، حيث جال مراراً على المستشفيات متفقداً الجرحى ومطمئناً على أوضاعهم، داعياً  الجهات المعنية إلى بذل أقصى الجهود لتأمين العناية الصحية اللائقة بهم، كما طاف على القرى والبلدات اللبنانية معزياً عائلات الشهداء ، معاهداً إياها بالوفاء المطلق لدماء أبنائها، والسير على طريق المبادئ التي استشهدوا من أجلها.

وفي رسالة وجهها إلى العسكريين، إثر قيامه بعدد من زيارات التعزية التي تركت بالغ الأثر في نفسه قال: أنقل إليكم مشاعر أب الشهيد الفخور بشهادة ابنه والأم المتعالية على آلامها، والزوجة المدركة لمعاني البطولة والمواطنية، والطفل المتباهي وهو يلبس بزة أبيه، وأضاف: كم تمنيت أن تشاركوني أعراس الشهادة، لتشعروا معي بتلك الأحاسيس المفعمة بالفخر والاعتزاز، وأنا ألمس من الأهل حجم الوفاء، وامتزاج دموع الحزن بزغاريد الانتصار. كم وددت أن تكونوا معي في حضرة الشهداء لتشاركوني حمل الأمانة ولتدركوا أن عدم تحقيق العدالة، هو جريمة ترتكب بحق الإنسانية والوطن، وجريمة أخرى ترتكب بحق الشهداء أنفسهم، بعد أن أوصوكم بألاّ تضيع العدالة، وألا يتم التفريط بالسيادة أو الاستهانة بالحرية والاستقلال.

وتأكيداً على رسوخ إيمان الجيش بالقيم الأخلاقية والإنسانية، والتزامه الدقيق بقانون النزاعات المسلحة، أتمت الوحدات العسكرية في الرابع والعشرين من شهر آب عملية إخراج عائلات مسلحي تنظيم "فتح الإسلام" من المخيم، والبالغ عددهم 63 فرداً بينهم 25 امرأة و 38 طفلاً، وقد بادر العسكريون إلى معاملتهم بكل لياقة واحترام، وعمدوا إلى حمل الأطفال في مشهد إنساني رائع، عكس سمو مناقبيتهم وتعاليهم على الأحقاد والجراح.

 في  الثاني من أيلول تحقق الوعد الذي قطعه العماد سليمان للشعب اللبناني، بإنهاء قوى الجيش سيطرتها الميدانية على آخر معقل من معاقل الإرهابيين في مخيم نهر البارد، بعد ان اقدم من تبقى منهم على التسلل تحت جنح الظلام في محاولة يائسة للفرار، حيث وقعوا في أغلبيتهم الساحقة بين قتيل وأسير في قبضة الجيش.

لقي انتصار الجيش على الإرهاب ثناء الأوساط المحلية والعربية والدولية على السواء، فيما اندفع اللبنانيون بكليتهم إلى الساحات والشوارع ابتهاجاً بعودة العسكريين الأبطال من ساحة القتال، وعمت الاحتفالات مختلف المناطق اللبنانية اعتزازاً بالجيش وتقديراً لتضحياته، وفي إطار هذا الانتصار تمكنت قوى الجيش بتاريخ 15/9/2007 في محيط بلدة تربل شمالاً من توقيف 4 عناصر فارين من تنظيم فتح الإسلام، بينهم الناطق الإعلامي باسمه المدعو محمد صالح زواوي المعروف بابو سليم طه، كما تسلمت بتاريخ 1/10/2007 من اللجنة المشتركة للفصائل الفلسطينية في مخيم البداوي عضو مجلس شورى التنظيم المدعو ناصر إسماعيل ومرافقه.

واحتفاءً  بالإنجاز الذي حققه الجيش وتكريماً لأرواح شهدائه الذين سقطوا خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006 وخلال مواجهة الإرهاب في العام 2007، نظمت قيادة الجيش في السادس من شهر تشرين الأول احتفالاً كبيراً في مجمع فؤاد شهاب الرياضي – جونية، حيث ألقى العماد سليمان كلمة بالمناسبة حيّا فيها أرواح الشهداء وقال: لقد صنعتم بدمائكم الزكية وعطائكم السخي مجد لبنان وجيشه، فأنتم إرث هذا الجيش ولهب الدم النابض في عروقه، ثم خاطب ذوي الشهداء قائلاً: ان صبركم العظيم لا يوازيه سوى حجم أيمانكم بالقضية، فانتم بحق شجرة الوطن بجذورها واغصانها وثمارها، ولكم من الجيش ان يكون عائلتكم الكبرى، وملاذكم الدائم في كل ما تحتاجون إليه  وتصبون لتحقيقه. كما توجه إلى الشعب اللبناني بالقول: إن وقفتك الوطنية الشجاعة إلى جانب الجيش هي أمانة في أعناقنا تحتم علينا، اكثر من أي وقت مضـى، مسـؤولية بذل المستحيل في سبيل المحافظة على أمنك واستقرارك.

 ومع هذا الإنجاز الذي شكّل نقطة تحول في مسيرة الوطن، انجلت سحابة سوداء وأطل فجر جديد على اللبنانيين، بعد أن تمكن الجيش من اقتلاع أكبر تنظيم إرهابي عرفه لبنان والمنطقة العربية، مقدماً 168 شهيداً  بذلوا أرواحهم فداءً عن شعبهم، واختصاراً لمعاناته، وبعثوا بدمائهم نبض الحياة من جديد في رماد طائر الفينيق العصّي على الموت والفناء.

• الاستحقاق الرئاسي:

مع قرب الاستحقاق الرئاسي، وسريان المهلة المحددة لانتخاب رئيس للجمهورية، تصاعدت حدّة التجاذبات السياسية في البلاد، في ظل تلويح الموالاة بإجراء الانتخابات على قاعدة نصاب النصف زائداً واحداً في حال تعذر التوافق، ورد المعارضة بعدم الاعتراف بالرئيس المنتخب وتأكيد لجوئها إلى خيارات متعددة في حال تم هذا الأمر،  ومما زاد الوضع تفاقماً تعرض  موكب النائب انطوان غانم  في منطقة حرش تابت بتاريخ 20/9/2007  لانفجار إرهابي كبير، أدى إلى استشهاده وعددٍ من رفاقه ومن المواطنين، كما أدى إلى حصول أضرار مادية جسيمة في المباني المحيطة بالانفجار.
ونتيجة لإستمرار الأوضاع المتشنجة وعدم حصول التوافق  المنشود، أعلن رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري تأجيل جلسة الانتخابات المقررة في الخامس والعشرين من أيلول إلى الثالث والعشرين من تشرين الأول، ومن ثم إلى الثاني عشر من تشرين الثاني ولاحقاً إلى الواحد والعشرين من الشهر نفسه.

وسط هذه الأجواء ، تناول بعض وسائل الإعلام وعدد من المسؤولين والمحللين السياسيين، مسألة ترشح قائد الجيش إلى سدة رئاسة الجمهورية، وموقف الجيش في حال حصول فراغ رئاسي، وقد جاء رد العماد سليمان واضحاً اكثر من مرة، بأنه خارج إطار المنافسات السياسية، وأن طموحه يقتصر فقط على ضمان وحدة الجيش وإنقاذ لبنان، داعياً الجميع إلى عدم زج المؤسسة العسكرية في صراعاتهم ومزايداتهم السياسية.

• زيارة مصر:

في إطار سعيه الدائم لتفعيل التعاون والتنسيق بين الجيش اللبناني والجيوش العربية، وبناءً لدعوة رسمية وجهت إليه من قبل رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق سامي عنان، توجه العماد سليمان إلى جمهورية مصر العربية بتاريخ 19/10/2007 في زيارة استمرت لمدة أربعة أيام ، التقى خلالها الرئيس المصري حسني مبارك، وتباحث معه في شؤون تتعلق بالأوضاع العامة في لبنان، وسبل تعزيز العلاقات الأخوية بين الجيشين اللبناني والمصري.

جنوباً، واصل العماد سلميان المتابعة الدقيقة لمجريات الأوضاع الدفاعية والأمنية، وحرص على بذل أقصى الجهود في سبيل تعزيز التعاون والتنسيق بين الجيش وقوات "اليونيفيل"، ولهذه الغاية واظب على لقاء قائد هذه القوات اللواء كلوديو غراتزيانو، كما أعطى توجيهاته اللازمة لتنفيذ مناورات مشتركة بين الجانبين، وقد وجه اللواء غراتزيانو رسالة خطية إليه أشاد فيها بحكمته وجهوده التي أفضت إلى الارتقاء بعلاقات التعاون إلى أعلى مستوياتها.

وفي السياق ذاته حضر العماد سليمان إلى جانب وزير الدفاع الألماني السيدFramz Josef Jung  الذي كان  أثناءها في زيارة إلى لبنان لتفقد وحدة بلاده، مناورة مشتركة بين وحدات من القوات البحرية اللبنانية وأخرى من القوات البحرية الألمانية، وقد نوه وزير الدفاع الألماني بكفاءة البحرية اللبنانية وأعرب عن رغبة بلاده في مواصلة مسيرة التعاون بين الجيشين الصديقين، من جهته شكر العماد سليمان وزير الدفاع الألماني على الهبات والتقنيات والخبرات التي قدمتها حكومة بلاده لتعزيز قدرات البحرية اللبنانية وضبط المعابر الحدودية البرية، وأثنى على جهود البحرية الألمانية وتعاونها في مراقبة الساحل اللبناني ومنع أعمال التهريب، مؤكداً تصميم الجيش على رفع مستوى البحرية اللبنانية عديداً وعتاداً، إلى جانب مستوى القوات الجوية والبرية، بما يكفل لاحقاً تنفيذ المهام الموكلة إليه بواسطة قدراته الذاتية فقط.

بالعودة إلى الأوضاع الداخلية، ونظراً لتمادي البعض في محاولة إدخال المؤسسة العسكرية في خضم التجاذبات السياسية، وزج أسم قائد الجيش كمرشح للرئاسة، اتخذ العماد سليمان موقفاً واضحاً من الموضوع في بيان صدر عن قيادة الجيش، دعا فيه المهتمين والغيارى إلى إخراج اسمه من البازار السياسي حرصاً على إبقاء المؤسسة العسكرية خارج إطار التجاذبات، وذلك لإتمام مهامها المستمدة من الإرادة الوطنية الجامعة، خصوصاً وأنه غير مرشح لأي منصب التزاماً منه بالدستور.

وقد لقي هذا الموقف تقدير مختلف المرجعيات السياسية والروحية في البلاد، وحاز إعجاب اللبنانيين الذين عبّروا عن اعتزازهم بالجيش وبقيادته الحكيمة، وثقتهم الراسخة بدوره الوطني في الحفاظ على مسيرة السلم الأهلي وإنقاذ الوطن من الأزمات التي تعصف به.

بدأ موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية يقترب أكثر فأكثر، فيما استمر الغموض يتحكم بوقع الأحداث، والمساعي المحلية والإقليمية والدولية تنشط في غير اتجاه بهدف إتمام التوافق على إجراء الانتخابات الرئاسية تجنباً لحصول فراغ رئاسي، وفي هذا الإطار جاءت المبادرة الفرنسية التي حملها معه وزير خارجية فرنسا السيد برنار كوشنير،  واقترح من خلالها على البطريرك صفير وضع لائحة بأسماء عدد من المرشحين، وتقديمها إلى كل من رئيسي مجلس النواب الأستاذ نبيه بري ورئيس كتلة المستقبل الشيخ سعد الحريري، لدرسها مع طرفي الموالاة والمعارضة وانتقاء أحد الأسماء التوافقية، وقد لبى البطريرك صفير هذه الرغبة، لكن التوافق لم يحصل وبقي الوضع على حاله، الأمر الذي استدعى حضور وزراء خارجية فرنسا وإيطاليا وأسبانيا وأمين عام جامعة الدول العربية السيد عمرو موسى بتاريخ 19/11/2007 إلى لبنان ، وإجراء لقاءات مع أقطاب المعارضة والموالاة من دون الوصول إلى أي نتيجة تذكر. وإزاء هذا الواقع عمّ القلق والخوف نفوس المواطنين من إمكانية حصول فراغ رئاسي، وما ستحمله الأيام القادمة من مخاطر جسيمة على الوطن، لكن موقف العماد سليمان الذي عبر عنه في أمر اليوم الذي وجهه إلى العسكريين بتاريخ 20/11/2007، بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لعيد الاستقلال، أتى بمثابة إملاء للفراغ المنتظر، مبدداً هواجس اللبنانيين من خلال تأكيده على عدد من ثوابت الجيش التي تحفظ سلامة الوطن واستقراره، ومما قاله: دوركم الوطني تمليه عليكم دماء الشهداء، وثقة المواطنين الذين يدعونكم إلى صون أمنهم واستقرارهم ومنع التعديات على أرواحهم وأرزاقهم، واعلموا أن أي اعتداء على الأمن هو خيانة وطنية، وكل سلاح يوجه إلى الداخل هو سلاح خائن، فالوطن على المحكّ، وأنتم حُماته، فلا تتهاونوا ولا تستكينوا، إذ سيخرج لبنان أقوى من ذي قبل فخوراً بتضحياتكم وتفانيكم.

 مجدداً أعلن الرئيس بري عن تأجيل جلسة الانتخاب المقررة في الواحد والعشرين من شهر تشرين الثاني، إلى الثالث والعشرين ولاحقاً إلى الثلاثين من الشهر نفسه، ومساء اليوم الأخير لانتهاء ولاية الرئيس اميل لحود، صدر عن رئاسة الجمهورية إعلان رئاسي كلف بموجبه الجيش صلاحية حفظ الأمن في جميع الأراضي اللبنانية، ووضع جميع القوى المسلحة تحت تصرفه اعتباراً من تاريخ الرابع والعشرين من تشرين الثاني، وعرض التدابير التي يفرضها الجيش على مجلس الوزراء فور تأليف حكومة تتوافر فيها الشرعية الميثاقية والدستورية، وفق ما ورد في الإعلان، معللاً ذلك بجملة من المواد الدستورية والقانونية، وتوافر وتحقق أخطار حالة الطوارئ، لكن موقف العماد سليمان أكد الالتزام بالدستور، مشيراً إلى ان رفع او خفض مستوى التدابير الأمنية المتخذة من قبل الجيش يحدد على ضوء ما تقتضيه الحاجة.

عادت المساعي المحلية والدولية تنشط من جديد خشية استمرار الفراغ الرئاسي، فيما بدأ التداول باسم العماد سليمان كمرشح توافقي استطاع بمواقفه الوطنية التاريخية منع انزلاق البلاد نحو المجهول، وبات يحظى بإجماع وطني قلّ نظيره، وأبلغ تعبير عن هذا الأمر ما قاله رئيس مجلس النواب بأنّ العماد سليمان هو رئيس بالقوة  كما يقال في الفلسفة وسيصبح رئيساً بالفعل.

وفي هذا السياق تداعت قوى 14 آذار للاجتماع بتاريخ 2/12/2007، وصدر اثر انتهاء هذا الاجتماع بيان عنها أعربت فيه عن توافقها على ترشيح العماد سليمان إلى سدة رئاسة الجمهورية، وتعديل المادة 49 تمهيداً لإجراء الانتخابات الرئاسية. في المقابل أعلنت المعارضة عن ترحيبها بهذا الخيار على الرغم من المطالب التي تقدم بها البعض قبل الشروع بالإجراءات الدستورية، لا سيما المتعلق منها برئاسة الحكومة المرتقبة وطبيعة التشكيلة الوزارية، وهذا ما دفع رئيس المجلس النيابي إلى تأجيل جلسة الانتخاب التي كانت مقررة في الثلاثين من تشرين الثاني إلى السابع من كانون الأول ومن ثم إلى الحادي عشر منه، وسط بروز خلاف جديد بين الأفرقاء على آلية تعديل الفقرة الثالثة من المادة 49 من الدستور.

وفي خطوتين هامتين على طريق النهوض بالمؤسسة العسكرية افتتح العماد سليمان بتاريخ 1/12/2007 في منطقة الريحانية المبنى الجديد لكلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان وبتاريخ 4/12/2007 ثكنة فوج مغاوير البحر في عمشيت، حيث أكد أن هذين الإنجازين يأتيان وفاءً لدماء الشهداء، وأشار إلى أن المؤسسة العسكرية أرادت من خلال إطلاق اسم مؤسس  الجيش فؤاد شهاب على الكلية، التأكيد على نهجه الرائد في بناء المؤسسات التي تجسد المعاني الحقيقية للسيادة والحرية والاستقلال، وتضمن وصول كل فرد إلى حقه في العيش بحرية وكرامة.

صباح الثاني عشر من كانون الأول كان موعد الجيش مجدداً مع الشهادة، إذ اهتزت منطقة بعبدا وجوارها على دوي انفجار إرهابي استهدف مدير العمليات في الجيش اللواء الركن فرنسوا الحاج لحظة مروره بسيارته مقابل بلدية بعبدا، مما أدى إلى استشهاده ومرافقه وإصابة عددٍ من المواطنين بجروح.

لقد كانت الجريمة لافتة في توقيتها ومكانها وهدفها، وكان وقعها قاسياً على الجيش، سواء لجهة ما يمثله الضابط الشهيد من رمز وموقع داخل المؤسسة، أم لجهة مسيرته المشرقة، الحافلة بالبطولات والإنجازات، وصولاً إلى دوره القيادي البارز في معركة نهر البارد.

لكن موقف العماد سليمان الفوري إزاء هذا الحادث، أتى ليبدد هواجس المواطنين من تداعياته، ويحبط مخططات الإرهابيين الهادفة للنيل من المؤسسة العسكرية ودورها الوطني.

 وأثناء تفقده مكان الانفجار وزيارة عائلة الشهيد لتقديم التعزية قال:"على الرغم من حزننا الكبير على فقدان الشهيد الكبير، الذي كان بطلاً على امتداد مسيرته العسكرية، وكان على استعداد دائم للتضحية حتى الشهادة، فالجيش لن يخضع للإرهاب مهما تمادى في غدره وإجرامه، وهو اليوم أقوى من أي وقت مضى، لأن دماء الشهيد هي أمانة في عنق كل ضابط وعسكري، وإذا فقد الجيش أحد أبطاله الكبار وهو الشهيد فرنسوا، فهناك ألف فرنسوا بين صفوفه، وسترون غداً أن هؤلاء هم أمناء على وحدة لبنان ودماء الشهداء التي أكسبت الوطن والجيش المزيد من القوة والمناعة، وجعلت العسكريين أكثر تلاحماً وتماسكاً لمواجهة كل المخاطر والصعاب.

وفي حفل التأبين التاريخي الذي أقيم للواء الركن الشهيد في كنيسة البازيليك سيدة لبنان ـ حريصا في اليوم الثالث بعد الاستشهاد، حيث تقاطرت إليه جموع اللبنانيين الغفيرة من كل المناطق والمدن والبلدات والقرى لوداع الشهيد الكبير، وانتشرت على امتداد الساحات والطرقات المؤدية من مكان الحفل إلى مسقط رأسه في بلدة رميش الجنوبية، أطلق العماد سليمان أكثر من موقف عبر كلمة قيادة الجيش التي ألقاها رئيس الأركان اللواء الركن شوقي المصري، إذ جاء فيها:" لقد حاولتْ يدُ الغدر والإرهاب، من خلال استهداف الشهيد البطل، استهداف المؤسسة العسكرية، ظناً أنها من خلال هذه الجريمة تستطيع ثني الجيش عن أداء مهماته الوطنية، والنيل من إنجازاته التي تعمدت بدماء مئات الشهداء والجرحى، لكن، غاب عن بال هؤلاء الإرهابيين الحاقدين، أنه كلما سقط عسكريٌ شهيد، ازداد الجيش إصراراً وعزماً على مواصلة مسيرة الدفاع عن الوطن وحماية أهله، وغاب عن بالهم أيضاً، أنهم مهما تمادوا في القتل وسفك الدماء، لن يجدوا منفذاً للنيل من إرادة الحياة وروح الإيمان المتجذر في نفوس أبناء المؤسسة العسكرية، المصممين اليوم على التصدي بكل قوة لمن تسول له نفسه التطاول على كرامة الجيش ودوره المقدس.

كما تضمنت الكلمة دعوة إلى مختلف الأفرقاء السياسيين، بوجوب اتخاذ موقف تاريخي شجاع، يُفضي إلى بناء جسور الثقة والتواصل بين الأطراف، والمسارعة إلى تحقيق المصالحة والوفاق، من دون شروط أو مساومات أو قيود، لأن المصالحة والوفاق لا يتوقفان على موازين القوى والتجاذبات السياسية، فسيل دماء الشهداء يستحق منا التضحية والتنازل عن كل ذلك، على أن تكون الثقة المتبادلة هي الضمانة الأساسية والوحيدة لجميع الأفرقاء، كما أن رسائل الدم هذه، لا تستهدف الجيش فحسب، بل تستهدف الكيان برمته، والرد عليها يكون بالابتعاد عن الكيدية والأحقاد والحسابات الضيقة، وبالتالي التلاقي على القواسم المشتركة، ففي اتحادنا نكسب القوة ونستطيع تحقيق المستحيل.


• العماد سليمان – الوجه الآخر

إلى جانب تركيز العماد سليمان اهتمامه الأقصى على الشؤون العسكرية البحتة للجيش والخوض في التفاصيل الدقيقة لمختلف المسائل التنظيمية والإدارية والعملانية، فقد أولى اهتماماً خاصاً بعلاقات المؤسسة مع محيطها الخارجي، القريب والبعيد، إذ حرص بصورة مستمرة على تفعيل دور الجيش في المجال الإنمائي، وعلى التواصل المباشر مع المجتمع المدني بهيئاته التعليمية والاجتماعية والثقافية والفنية.

وفي هذا الإطار أيضاً ركّز على مسألة الإعلام والتوجيه في الجيش، لما لها من تأثير بالغ في توطيد العلاقة مع المواطنين، حيث شدد على ترسيخ المفاهيم الوطنية ومبادئ العقيدة العسكرية التي يقوم عليها الجيش في نفوس العسكريين والمواطنين على حدٍ سواء، ومواكبة الأحداث الأمنية بالبيانات والنشرات التوجيهية لإيضاح الحقيقة أمام الرأي العام والعسكريين داخل المؤسسة.

واظب العماد سليمان على متابعة الأوضاع الاجتماعية والمعيشية للعسكريين في الخدمة الفعلية وفي التقاعد، والسعي الدؤوب إلى تحسينها، وذلك انطلاقاً من قناعته الراسخة بارتباط هذه الأوضاع بالحالة النفسية والمعنوية للعسكريين وانعكاسها على عملهم وانتاجيتهم، كما أولى اهتماماً خاصاً بتكريم شهداء الجيش الذين قدموا أغلى ما لديهم دفاعاً عن الوطن وسلامة شعبه، وبالوقوف إلى جانب عائلاتهم ومساعدتهم على تخطي الصعاب ومواجهة أعباء الحياة، وفي هذا المجال اتخذ قراراً بتخصيص منزل على نفقة الجيش لكل عائلة شهيد.

آثر العمل بصمت وترفع، على اعتبار أن خدمة الوطن والشعب هي واجب على كل مسؤول، وليست منّة تعطى لأحد، ولهذا السبب اعتذر مراراً من رؤساء البلديات والجمعيات الأهلية عن عدم موافقته على تعليق يافطات قبيل مناسبات عيدي الجيش والاستقلال تشيد به شخصياً أو بدور المؤسسة العسكرية وإنجازاتها ، كما اعتذر عن عدم رغبته بتسمية أحد شوارع بلدة عمشيت باسمه.

حمل العماد سليمان في ضميره كل التقدير والوفاء لرجالات الوطن الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل خدمة لبنان وشعبه، ولأجل ان تبقى تضحياتهم وعطاءاتهم منارة للأجيال، اتخذ القرار بإقامة احتفال تكريمي سنوي لأحد رجالات الوطن إذا ما أتاحت الظروف، وعليه كان الاحتفال الأول في العام 2005 للرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب.

كما حرص على توثيق العلاقة مع أبناء الوطن المغتربين، فكان خلال زياراته لبعض الدول الشقيقة والصديقة، الهادفة إلى تفعيل التعاون العسكري مع جيوشها والحصول على مساعدات للجيش، يلتقي أفراد الجالية اللبنانية، ويطوف على مؤسساتهم، ويطلعهم على الأوضاع في وطنهم الأم، كما يطَّلع على أوضاعهم الإنسانية والاجتماعية عن كثب، ويحثهم على التمسك بالقيم والتقاليد اللبنانية العريقة والإيمان بمستقبل لبنان.

لقد آمن العماد سليمان بالقيم الإنسانية كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومناهضة الارهاب والتعصّب، والعدالة الاجتماعية والمساواة، وقد شكلت هذه القيم الركيزة الأساس في عمله وعمل الجيش، كما آمن بالمثل العليا للإنسان وقدرته على صنع المستحيل إذا ما توافرت الإرادة لديه، فكان يواجه المشاكل المتراكمة بصدر رحب، الأمر الذي كان يدخل الاطمئنان بسرعة إلى قلوب أركانه وكل من حوله. وفي عقيدته أن كل عسكري يجب أن تكون لديه المثل نفسها التي يتحلى بها، وهذا العسكري إما أن يستجيب بسرعة انطلاقاً من قناعاته الراسخة، أو يستجيب لاحقاً عندما يرى على أرض الواقع أن هذه المثل هي فعل إيمان حقيقي وهي الطريق الأقصر والأسلم لتحقيق النجاح المنشود...


 
 
إن تعديل، أو محاولة خرق موقع الجيش على الإنترنت، قد يعرّض فاعله للملاحقة القانونية
 
Web Lebarmy
Powered by google
 الجيش
     قادة الجيش  « 
   رؤساء الأركان  « 
 المعاملات الإدارية  « 
الأحداث الهامة  « 
المهام  « 
الكراس التوجيهي  « 
النشرة التوجيهية  « 
أمر اليوم  « 
نشاطات تنموية  « 
تجهيزات  « 
المتحف العسكري  « 
 أعياد
عيد الجيش  « 
عيد الإستقلال  « 
 رجالات لبنان
 الهيكلية
قيادة الجيش  « 
القوات البحرية  « 
القوات البرية  « 
القوات الجوية  « 
الكليات و المدارس  « 
الشؤون الجغرافية
لمحة عامة  « 
قسم التأليل  « 
مصلحة الجودزة  « 
New    خرائط  « 
 رتب وأوسمة
الرتب العسكرية  « 
الأوسمة الأساسية  « 
شعارات و أعلام  « 
 شروط التطوع
جندي متمرن  « 
تلميذ رتيب  « 
تلميذ ضابط  « 
رتيب اختصاصي  « 
ضابط اختصاصي  « 
خدمة العلم
ألبوم الصور
  طائرات  « 
محاضرات و بحوث
 
 
Copyright © 2008 جميع الحقوق محفوظة. الجيش اللبناني
تصميم قيادة الجيش اللبناني - مديرية التوجيه
 This site is best viewed at 1024 x 768 resolution with 32 bit colors and with the latest version of Microsoft IE