شعراء وقصائد

أديب مظهر رائد الحداثة الشعرية والوطني المناضل
إعداد: د. هيام كيروز
كاتبة وباحثة

منهم من يشبّهه بالشعراء الخمس الفرنسيين الملقّبين بــ ”الملاعين“ (Les cinq poètes maudits)، أي شارل بودلير، بول فيرلين، أرتور رامبو، ستيفان مالارميه، ومارسلين ديبورد – فالمور، إذ تجمعه بهم مزايا من بينها الكتابة بلغة التحدّي والثورة.
رحل أديب مظهر مسمومًا في ريعان شبابه، بعدما أترع سنوات عمره القصيرة بالقراءة والسفر، ومقارعة الحلم المستحيل. لذلك، وبعد 97 عامًا على رحيله، ما زال يثير الأسئلة الساخنة حول تجلّيات إبداعه وألغاز حياته. إذ يتماهى الخاص مع العام، وكلاهما يقودان إلى بحر الرمزية والصوفية. من هنا هذا الغموض الخلاّق في شعريته، حيث وميضٌ من كتابة سعيد عقل والياس أبو شبكة، ودفق من تمايز الحالة اللبنانية الفريدة.


عاش أديب مظهر أكثر من حياةٍ واحدة، واعتنق الرمزية كحالةٍ مضادة للنزعة التي ادّعت الإحاطة بفهم الكون وتفسيره عن طريق العقل والقياس والمنطق. وعلى هذا الأساس، حاول تطويع اللغة، وارتياد شكلانية جديدة، امتلك كنهها من قراءاته لبودلير، ورامبو، وفيرلين، ومالارميه. ويستحقّ هذا الشاعر الموهوب والمغمور تسليط الضوء على شعره، وإعادة الاعتبار إلى جمالياته ذات النبض الإبداعي، وإدخاله إلى البرامج المدرسية لاستيعاب فرادته.

 

سيرة ومسيرة
وُلد أديب مظهر في المحيدثة – بكفيا العام 1900، في بيئة تميل إلى نظم الشعر بالعربية والفرنسية، وفي مناخ عائلة لقّبت بــ «سنديانات شعر». والده نظم الشعر في وادي النيل- مصر، حيث كانت أعماله التجارية، وعمّه ابراهيم بك مظهر، كاتب المقالات العمرانية في جريدة الأهرام المصرية. ولشقيقه منير، ديوان مخطوط بالفرنسية عنوانه Pénombres. وكان أديب يتنقّل غالبًا بين لبنان ومصر نظرًا إلى بقاء رموز من العائلة في بلاد النيل.
تلقّى تعليمه الأول في «مدرسة البستان» لصاحبها الشيخ إبراهيم المنذر الذي نهض بالنشء، وجعل المسرح، والشعر، والأقصوصة، والخطابة، والمقالة، أنواعًا يستسيغها فتيان في الثالثة عشرة والرابعة عشرة.
اختار مظهر الشعر وسيلة للتعبير عن نفسه، ولعلّ السنين الأولى التي أمضاها في «مدرسة البستان»، كانت العامل الأكبر في تكييف فطرته، وإذكاء ملكته الشعرية، إذ إنّه نشر عدة قطع شعرية في مخطوط المدرسة خلال العام 1913، من بينها: «دمعة غالية»، «الدفتر»، و«حب الوطن». وفي العام نفسه، قال مخاطبًا الشيخ إبراهيم المنذر:
… كيف السبـيل إلى الوثوب بأمةٍ والسيف فوق جبينها مشهور
تابع مظهر تعليمه في معهد الفرير في بيروت، حيث درس الفرنسية، فكشفت له هذه اللّغة أهمية أدباء كبار، في طليعتهم، ألبر سامان، وبودلير، وفرلين، وألفرد دو موسيه، ثم انتقل إلى الهاي سكول، أو مدرسة برمانا العالية. تلقى علومه الطبية في الجامعة الأميركية، ونال شهادة طبّ الأسنان في العام 1924، من دون أن يتوقف عن نظم الشعر في المناسبات الوطنية.
وجد بينه وبين شكسبير صلة عميقة عزّزت تذوّقه للغة الإنكليزية وأدبها، كما تعلّم الإيطالية ساعيًا لقراءة «دانتي» بلغته الأم، ودرس الإسبانية وغيرها، فأتقن ست لغات. وإلى جانب الشعر، انفتحت موهبته على فن الرسم، فدرسه وأجاده، وتأثّر بفان غوغ وغوغان، وأصبح رسامًا متميّزًا، شغوفًا برسم المناظر الطبيعية والأزهار. وقد احترقت لوحاته، وعددها 78 لوحة، عند اندلاع الحرب اللبنانية، في العام 1975، قبل أن يباع البيت الذي ولد فيه.

 

الوطني المناضل
خلال الحرب العالمية الأولى، عبّر عن وطنيته بجرأة لافتة من خلال رحلات سباحة قام بها في عرض البحر المتوسط كي يجلب المال والمساعدات من بعض الجزر للبنانيين الجائعين.
يذكر ربيعة أبي فاضل نقلًا عن جريدة البيرق (العدد 139، 24 شباط 1929) أنّ مظهر ألمّ بالهندسة العسكرية، فالتزم حفر الخنادق خلال خدمته في الجيش التركي، لكن هذه الإشارة لا توضح شيئًا عن هذه الخدمة وهل كانت في إطار «السخرة» مثلًا؟ وورد في جريدة «النهار» (29 كانون الأول، 2000) أنّ مظهر رُقّي إلى رتبة ضابط بعد سنة وشهرين من التحاقه بالحلفاء في مصر. هنا أيضًا لا نجد إيضاحًا حول هذا الالتحاق، وهل كان في إطار فرقة الشرق التي ضمّت شبانًا لبنانيين وأرمن وسوريين أرادوا أن يشاركوا في الحرب ضد العثمانيين؟ من رفاق مسيرته يومذاك، ألبير مخيبر الذي لحظ أنّ «أديب مظهر امتلك فكرًا يسبق تفكير الآخرين، ودافع عن الحريات، وعن العلمنة».
خلال فترة الانتداب سجنت السلطات الفرنسية أديب مظهر، فانطلقت تظاهرات صاخبة لإخلاء سبيله، شارك فيها يوسف السودا وكميل شمعون ورياض الصلح وحميد فرنجية وحبيب أبو شهلا وسلمى صايغ وإميلي فارس ابراهيم وسواهم…
أسهم في تأسيس «جمعية العروة الوثقى» التي ترأسها في 13 كانون الثاني 1922. وشارك في دعم الثورة الدرزية، في جبل العرب، في العام 1925، كما أسهم في العام نفسه في «حركة الوعي واليقظة» لبناء روح وطنية تصهر وتجمع، وعُيّن سكرتيرًا لفرع «حزب الشّعب اللبناني». وضمّ صوته إلى أصوات المطالبين بحكمٍ وطني، أمثال: يوسف السودا وكميل شمعون ورياض الصلح وحميد فرنجية وجبران تويني وخيرالله خيرالله والياس أبو شبكة ووديع عقل وإميلي فارس ابراهيم وغيرهم من كبار معاصريه.
بات معروفًا ومميّزًا ولمّا يتخطى العشرين، وانعكست حماسته للقضايا القومية والسياسية والاجتماعية، على أدبه وشعره، فهاجم الاستعمار التركي، وكرّسته مناسبات عديدة خطيبًا مثيرًا للحماسة. تتّسم قصائده بشحناتٍ خاصة، وتضجّ بروح الثورة، وبالخطابة، التي كانت أسلوب معاصريه، وحاجة اجتماعية وجمالية لمواجهة الظلم من خلال الكلمة الشعرية.
وتعكس قصيدته «يا أرز» نزعة وطنية صادقة، وعزيمة لا تلين في سبيل التحرّر والاستقلال:
قل للّذي يرنـو لسفحك طامحًا دون البــــلاد مرائـــــــــد وصدور
إن أعوزتك من الرجال أسودهـا فأهب تجبك حرائــــــــر وبكـــور
أو فاخـــر المصــري في أهرامــه فأنا بأرزك ما حييت فخــــــــــور
في هذا المناخ، ظلّ أديب مظهر مخلصًا لعمود الشعر العربي، من خلال التشبيه القريب، والاستعارة الموحية، إذ إنّ الصورة عنده ترتقي إلى حدّ الرمز الموحي.

 

نقلة نوعية
بين العامين 1900 و1910، شكّلت الثورة الأدبية في فرنسا، واحدة من أهم المراحل التحولية في تاريخ الأدب العالمي، إذ شهدت تغيّرًا جذريًا في المفاهيم الفنية والجمالية، وانفتاحًا على أشكالٍ جديدة من التعبير، تأثرت بالتحوّلات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي عرفها العالم آنذاك. كما واصلت الحركة الرمزية (Le symbolisme) التي انطلقت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، تأثيرها.
وقد سمح انتشار اللغة الفرنسية في لبنان، في ظل الانتداب الفرنسي، بانفتاحٍ على الغرب، واكبه دفق ثقافي، ونهضة فنية، متأتيان من مهبّ التحوّلات الثقافية التي عصفت في فرنسا، وامتدت إلى أوروبا، في عملية تلاقح تركت تأثيرها في النتاج الأدبي في لبنان. ووسط رحابة هذا المناخ، المشبع بحمى المشادّات بين التيارات الرومنطيقية والرمزية وصولًا إلى السوريالية، غاص أديب مظهر بشغفٍ في الشعر الفرنسي، ونهل من أدبائه، وشجّعته صداقته الحميمة لقيصر الجميل على المطالعة بنهمٍ. أدت تلك القراءات دورًا أساسيًّا في تكوينه الثقافي، وتركت ظلالًا قوية على نتاجه الفكري، وأيقظت لديه ذلك الحس الذي لا يتوقف عن النداء. وتطوّرت نتيجة لذلك تجربته من قصائد الاحتفالات إلى نظرة وجودية، فانعطف باتجاه موضوعات جديدة.
أخذ مظهر ينقر على أوتار الطبيعة، ويستلّ منها مفرداته وصوره، فتطوّر شعره من الكلاسيكي والخطابي، ومن الموزون والمقفّى، إلى المستوى الإيقاعي والبلاغي، وإلى نمط رمزي ينقذ الفكرة بالصورة، ويمنحها شحنات غنيّة من الرؤيا، وإلى بحث عميق في معاني الحياة، موفّقًا بين الوحي والتعبير، متلمّسًا معطيات جمالية لم يعتمدها سابقًا، تقوم على العلاقة بين الكلمة الشعرية، والمعنى الذي تحمله، ويتجاوز الدلالة المستهلكة إلى الطاقة اللامتناهية لرموز تلك الكلمة.
عند هذا المنعطف، تمكّن أديب مظهر من أن يؤكد حضوره الشعري في بيئة قوامها مثقفون حالمون: من ابراهيم المنذر، إلى يوسف السودا، ويوسف كرم، وعبدالله حشيمة، وأمين الريحاني، وصلاح لبكي، وشفيق المعلوف، ورئيف خوري، وقبلان مكرزل… وغيرهم، ممن جعلوا المتن يلمع بنهضة صحافية، وتربوية، وشعرية، وأدبية لا مثيل لها في لبنان، واكبها ميخائيل نعيمه من مهجره.

 

انعطاف نحو الاختلاف
لعلّ ما بلور المنحى الشعري الجديد لأديب مظهر، في المرحلة الثانية من نتاجه، قصيدة «نشيد السكون»، التي كان لها وقع يفوق ذلك الذي أحدثته القصائد السابقة. فقد تخطى فيها حدود الألفاظ والمعاني وارتقى من خلالها، ليشكّل رؤية خصبة، تتّسم بالغنى، وتتميّز بلغةٍ خاصّة، فيها من الوحي الكثير، إذ تتجاور المفردات وتتآلف، لتسهم في إغناء الرؤية بالغموض والسموّ، وتمثّل دورًا مهمًّا في تلاحم النص الشعري، بما ينطوي عليه من تجربة وجدانية، انفعالية. وهذا ما جعل القصيدة «باكورة الشعر الرمزي» والرؤية الوجودية التي تشبه العبث لدى كامو، وقد يكون ذلك نتيجة ما عاشه في ظل الظلم العثماني وموت أهله في لبنان.
حوّل أديب مظهر القصيدة التقليدية إلى أصيلة متجدّدة، وحوّل البيت إلى شطر، والشطر إلى كلمة، فكان حديثًا قبل الحداثيين، غير أنّ شعره لم يبلغ طور الاكتمال، بسبب رحيله المبكر مسمومًا. وقد رثته الأديبة سلمى الصايغ باكية: «… لقد كنت حلمًا ذهبيًّا، فعشت كما تعيش الأحلام…».

 

النتاج المظهري في مجهر النقّاد
ما لا شكّ فيه أن شعرية أديب مظهر لا تحتاج إلى دليل، وقد أثار نتاجه عاصفة من الجدال، وتناول النقّاد والشعراء والأدباء قصائده القليلة، وذلك في ما يتعلّق بتأويل نصوصها وصياغتها ومضمونها، وأسسها الجمالية والمدارس الشعرية التي نهل منها.
وصفه أمين ريحاني قائلًا: «صاحب جرأة أدبية… وجوهرة من جواهر الأدب الحقّ.. أديب حقًّا في أقواله وأفكاره وأفعاله».
وقال الناقد والمفكّر محمد دكروب: «هو أول شاعر رمزي في البلاد العربية، أسهم في تغيير الشعر العربي، وقدّم محاولات طليعية في حركة شعبنا لتغيير المجتمع».
وفهم أنطون غطاس كرم تجربة أديب مظهر على أنها «إيحاءات رمزية تُضَمّ إلى المجاز الجبراني.. وكان له فضل إطلاق مذهب جديد، ولا سيما من خلال «نشيد السكون»، فتسلّم المشعل من يده، الشاعر سعيد عقل».
أبرز المهتمين بأديب مظهر هو إيليا الحاوي، الذي كتب محلّلًا شعره في مجلة «شعر»: «إنّ خلوده هو خلود رومنطيقي، في الطبيعة، في روح الأشياء الجميلة…» واستنتج أنّ «هذه التجربة الجديدة «اللامارتينية»، بل الأعمق والأبعد، إنما هي في أساس الشعر الجديد، وهو أول من طرق باب المجهول في الشعر العربي المعاصر بعمقٍ ويقين، وأنّه تجاوز الرمزية وعرف تناقض السريالية».
وقال صلاح لبكي: «شجّعني أديب مظهر على النظم، وكان يصرّ على أن أطلعه على نتاجي، منتقدًا وموجّهًا. بواكير شعري هي صور باهتة عن شعره». ورأى في قصيدة «نشيد السكون»: عهدًا أدبيًّا جديدًا هو بداية عهد الرمزية. وفي هذا الاتجاه كتب قيصر الجميّل: «صلاح لبكي مكمّل لأديب مظهر».
وكتب يوسف الخال: «خارج تأثير الرومنسية الفرنسية، لمع في الأفق نجم خاطف، أعني به أديب مظهر، كان ذا شخصية محبّبة ومخيّلة جامحة».
وورد رأيٌ فيه، موجز، لأدونيس: «كانت قصائده القليلة التي كتبها، فاتحة أدّت إلى أن تكشف لبعض الشعراء، وبخاصةٍ في لبنان، بعدًا جديدًا في اللغة الشعرية، هو البعد الرمزي، لكن بمداليله وخصائصه الغربية على الأخص». وترى خالدة سعيد أنّ «نشيد السكون» جاءت لتكسر جبل الجليد والتقليد، وقد تحرّرت من الهلهلة التي أصابت عديدًا من الشعراء ما بين الحربين… واتجهت إلى التأليف على أساس التباين والتعارض… فالقصيدة عنده هي ساحة اختراقات على مستويات متنوّعة».

 

الإرث الباقي
لم يعِش أديب مظهر عمرًا مديدًا، لكنّه عاش شاعرًا أصيلًا، ومبدعًا، علمًا أنّه طبيب، لكن الرسم، والنظم، والرمز، والإيحاء، كانت من ملكات شخصيته، ومن علامات فارقة في العائلة.
ولئن نظر إليه أدونيس نظرة تحتاج إلى حوار، ومطارحة، فالشاعر مظهر حقّق حضوره، وخلوده، من خلال بضع قصائد سبّاقة في الريادة الرمزية، وقد خطفه الموت في أواخر العشرينيات، بينما كتب لغيره سنوات مئة، وأُعطيَ كثيرون فرصًا لم تُتَح له.
لقد ألقى «رائد الرمزية في الشعر العربي»، بظلّه على الشعر من بعده، فتأثّر به سعيد عقل، وصلاح لبكي، ولم ينضج شعر عقل الرمزي والبارناسي إلّا بعد تجارب مظهر المستندة إلى بودلير وألبير سامان، وغيرهما. ولا شك في أنّ جبران خليل جبران وأديب مظهر والياس أبو شبكة شكّلوا طليعة الشعراء الذين اخترقوا اليومي، والعادي، والمألوف، وكتبوا بدمائهم بدلًا من الحبر، وهذا هو سرّ تميّزهم، وتأثيرهم الدائم في الأجيال الملهمة، والشاعرة.
يطفو نتاج أديب مظهر بتجلّياته، ليؤكّد، ليس على رمزية شعره فحسب، بل على تطلعاته في إشراقاتها وكثافتها، ما جعلها تنعطف بالحركة الشعرية اللبنانية الكلاسيكية نحو آفاق جديدة.
ولا بدّ من التوقف عند كتاب «أديب مظهر رائد الرمزية في الشعر العربي» للدكتور ربيعة أبي فاضل، الذي صدر بعد مئة عام على رحيل الشاعر، وجمع فيه الناقد ما تبعثر في المجلّات والصحف عنه، كما استند إلى وثائق في مكتبة الجامعة الأميركية، وفي بيت حافظ منذر.

 

مراجع

  • أديب مظهر رائد الرمزية في الشعر العربي، الدكتور ربيعة أبي فاضل، دار المشرق، بيروت، طبعة أولى 2002.
  • جذور السنديانة الحمراء، محمد دكروب، دار الفارابي، الطبعة الثانية، تشرين الأول 1984.
  • الرمزية في شعر أديب مظهر، الدكتور فؤاد أبو منصور، جريدة الأنوار، 21 حزيران 1982.
  • أديب مظهر الرائد المغمور للشعر العربي المعاصر، جريدة الأنوار، 5 نيسان 1991.