- En
- Fr
- عربي
شؤون دولية
شخصيتان تاريخيتان محوريتان طبعتا العقل والسلوكية السياسية الإسبانية: الأولى، ميغيل دو سرفانتس (Miguel de Cervantes)، مؤلف الرواية الحديثة الأولى بعنوان دونكيشوت (1605) وسردية طواحين الهواء والفروسية التي تخلط الواقع بالخيال. والثانية، الجنرال فرانشيسكو فرانكو الذي حكم إسبانيا بقبضة من حديد بدءًا من 1939 إلى 1975، مُـلقّبًـا نفسه بـ ”الكوديو“ أي الزعيم، وموقدًا فتائل الحرب الأهلية على خلفية إجتثاث اليسار الإسباني. على هذه الخلفية وغيرها، تصدّر حزب العمّال الاشتراكي الإسباني (PSOE) السباق الانتخابي في مطلع حزيران 2018، وأصبح أمينه العام بيدرو سانشيز Pedro Sanchez، 54 عامًا، رئيسًا للوزراء. في 13 كانون الثاني شكّل سانشيز حكومته الثانية 2020، وهو مستمر في الحكم رغم تلاطم الأمواج السياسية حوله وفقدان مكوّنات أساسية في ائتلافه.
مع سانشيز تحوّلت شبه الجزيرة الإيبيرية (Ibéria – تسمية إسبانيا سابقًا) إلى طائر يغرّد خارج السرب الأوروبي، فقد تفرّد بحزمة مواقف وخيارات سياسية واقتصادية جعلت من إسبانيا رقمًا صعبًا في المعادلات المتحركة. حتى قيل إنّه من مفارقات الوضع الإسباني أنّ رئيس الحكومة الاشتراكي قويّ في الخارج وضعيف في الداخل. فما كان يُعرف في أدبيات المحلّلين والنخب السياسية بـــ «الاستثناء الإسباني» في طريقه إلى الزوال في ظل صعود أحزاب اليمين، ومنها حزب فوكس المتطرّف الذي حصد غالبية أصوات إقليم الأندلس في 20 أيار الماضي. من هنا سؤالان ساخنان في خضم التحوّلات السياسية في مدريد: ما هي الأرجحيات في انتخابات 2027 التشريعية؟ وهل يمضي حزب سانشيز الحاكم عامه الأخير على رأس السلطة؟
سانشيز ضد فرانكو
بات في حكم المسلّمات التاريخية أنّ الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني المعروف إيجازًا بحروفه الأولى (PSOE)، يتّكئ إلى إيديولوجية ديمقراطية ملتصقة بالقواعد الشعبية في ضواحي المدن وأرياف الأقاليم بين جبال البيرينيه شمالًا والأندلس جنوبًا، وصولًا إلى مياه المتوسط. وعلى الرغم من التماهي في التسمية مع الحزب الاشتراكي الفرنسي، فهو أقرب إلى الحزب الشيوعي الفرنسي أو الإيطالي لناحية نوعية الأعضاء وانتماءاتهم السوسيولوجية. ذلك أنّ الاشتراكيين الإسبان، على غرار نظرائهم الفرنسيين، ينحدرون أحيانًا من بيئات اجتماعية نخبوية، وقد اعتنقوا إيديولوجيا اليسار خوفًا من اليمين المتطرّف، وبحثًا عن عدالة اجتماعية مفقودة.
أب الاشتراكية الإسبانية هو Pablo Iglesias، وعام التأسيس كان 1879. وقد ارتبط الحزب بالماركسية التي لم يتخلَّ عنها إلّا في بدايات القرن العشرين بتأثيرٍ من منظِّر الاشتراكية الألمانية إدوار برنشتاين (Bernstein). وفي مؤتمره الـ 28 في العام 1979، أي بعد مئة سنة على التأسيس، قفز إلى زعامته فيليبي غونزاليس الذي تبنّى مبادئ اقتصاد السوق ووارى الثرى مجمل الإرث الماركسي لمصلحة الرأسمالية.
بعد الحرب الأهلية ونهاية الفرنكوية مع موت زعيمها في العام 1975 وعودة النظام الملكي، عمّم الاشتراكيون الخدمات الاجتماعية الأساسية، مثل التعليم والصحة والتقاعد. وأطلقوا ديناميات الخصخصة التي طاولت قطاعات الكهرباء والاتصالات وبعض المصارف. وهذه السياسة استجابت في جزء كبير منها لتطلّعات القواعد الشعبية. ويمكن القول مع صحيفة الباييس (El Pais) اليومية واسعة الانتشار أنّ الحزب الاشتراكي أكثر مَن حَكَمَ إسبانيا في زمن الديمقراطية الذي انطلق في العام 1978 برئيسي حكومة هما فيليبي غونزاليس وخوسي لويس زاباتيرو، وحصد غالبية الأصوات في انتخابات 2008، وقبلها في الـ 1982.
المصائب لا تأتي فرادى
تروي جريدة الباييس في أحد ملحقاتها الأسبوعية الصادر في صيف 2025 أنّ رئيس الحكومة بيدرو سانشيز عندما وطأت قدماه أرضية قصر Moncloa الرئاسي في مدريد، وهي مخملية بالكامل، وكان ذلك في حزيران 2018، طرح بصوتٍ عال أمام مرافقيه من حزب PSOE: كيف لي أن أشعر وأن أتفاعل مع آلام العمال الكادحين والمقهورين وأهل الطبقة الوسطى والفقيرة، وأنا في قلب هذه الفخامة الأسطورية؟ لكنّه تلمّس خشبة إنقاذ وسط الأسئلة الحائرة: لقد نجح في تشكيل حكومته الأولى وسط تشرذم وتشظٍ سياسي غير مسبوق، وصعود أطياف سياسية جديدة مثل حزب Podemos في أقصى اليسار وCiudadanos في اليمين، ولاحقًا Vox اليميني الراديكالي، ولذلك بدا تشكيل الحكومات أشبه بمعضلةٍ حقيقية في ضوء أرجوحة التحالفات الهجينة والهشّة التي تكبّل مسرح الظلال السياسية الإسبانية. وهو القادم حديثًا إلى «مقصلة» الحكم، كان عليه أن يتعامل مع ملفّين متفجّرين، هما أشبه بـــ «قنبلتين موقوتتين»: تركة العام 2008 وانهياراتها المالية، والإعلان الانفصالي أحادي الجانب في إقليم كاتالونيا (27 تشرين الأول 2017)، وما واكبه من اهتزازات أمنية هدّدت كيان الدولة المركّبة. الأدهى من ذلك هو أنّ سانشيز لم يكن يواجه خصومه السياسيين فقط، بل أهل بيته أيضًا، وفي عدادهم منافسون عتاة وشرسون تمرّسوا في الحكم قبله، أمثال رئيس الحكومة الأسبق فيليبي غونزاليس. ولأنّ المصائب لا تأتي فرادى كما يقول «أبو الطيب المتنبي»، فقد فاجأت جائحة 19 Covid الزعيم الاشتركي، وكانت مدريد من أكبر المتضررين إنسانيًا واقتصاديًا. ثم لاحقت المتابعات القضائية زوجته Maris Begona Gomez، وأبرز حلفائه في الحزب الاشتراكي العمالي خوسيه لويس زاباتيرو. في لحظة فارقة، عزل نفسه للتأمّل والخيار بين الاستقالة أو البقاء على رأس الحكم والحكومة. وقد اختار الاستمرارية، وصاغ مواقف وسياسات عكس تيار النيوليبرالية المتوحّشة والبراغماتية الغربية بما هي عليه كتسويات وترضيات ملغومة.
أنسنة أوضاع المهاجرين: ”ضربة معلّم“
في طليعة القضايا التي تطبع نهج سانشيز وحكومته وتجعل منهما استثئناء تحت سقف الاتّحاد الأوروبي ودوله الــ 27، ترتسم مسألة التعامل مع الهجرة والمهاجرين. فبينما تسرّع عاصمة «الاتحاد»، بروكسل، الخطى لاستصدار تعميم بعنوان «عودة» يهدف إلى التعجيل في إجراءات طرد الأجانب المقيمين على أراضيه بطريقةٍ غير شرعية، ويؤكّد العمال البريطانيون على سياسة ترحيل جديدة، على غرار الاشتراكيين الديمقراطيين الدنماركيين وإدارة الرئيس ترامب، تُفاجئ حكومة سانشيز بتدابيرها التي تسير عكس التيار، وتعلن عن التسوية القانونية لنصف مليون مهاجر سرّي مخالف، ومنحهم الحقوق العائدة للعمال المحليين الإسبان. وعندما وصفت حركة Maga اليمينية الأميركية هذا الإجراء بــ «الانتحاري»، ردّ سانشيز بنوعٍ من المكابرة: «لا تنزلقوا إلى الخديعة. إنّ إسبانيا في ذروة انطلاقتها». في المقابل قال مستشاره «إنّ الغرب في حاجة إلى مهاجرين». والمعروف أنّ غالبية المهاجرين الأجانب إلى إسبانيا من أميركا اللاتينية، وتحديدًا من: كولومبيا، البيرو، فنزويلا، الإكوادور، ودول الحوض الكاريبي، ويُطلق عليهم اسم لاتينوس، وتسعفهم في إقامتهم إجادتهم اللغة الإسبانية. يأتي بعدهم عدد من العرب المغاربيين والأفارقة من جنوب الصحراء الكبرى.
إجراءات الحكومة الاشتراكية ليست أول عملية تسوية للهجرة السرية إلى إسبانيا، فبين 1980 و2006، حصلت ست عمليات تشريع لإقامات 1,5 مليون مهاجر، قام بها رؤساء وزراء اشتراكيون ومن يمين الوسط، ودعمتها الكنيسة كما أرباب العمل الذين كانوا في حاجة إلى أيدي عاملة مدرّبة تنافسية لمواكبة الديناميات الاقتصادية. وعلى الرغم من الاختلافات الثانوية حول مفاهيم الهجرة، تجد الأحزاب الإسبانية، يمينًا ويسارًا ووسطًا، نفسها في حالة توافقية حول هذه المسألة الحساسة، باستثناء حزب VOX اليميني المتطرّف الذي بات القوة الانتخابية الثالثة في البلاد. وقد تأسس في العام 2013، ونسج قاعدته الشعبية على أساس الرفض القاطع لمنزلق استقلال إقليم كاتالونيا، وذلك من دون إثارة معضلة الهجرة أو جعلها حصان طروادة المشهد السياسي ومعادلاته المتحركة. ولا شك في أنّ حكومة سانشيز تقوم بـــ «ضربة معلّم» من خلال إجراءات التسوية القانونية للمهاجرين. فالديمغرافيا تكتسب دمًا جديدًا، ويشتدّ عصب الاقتصاد الذي يتعزّز ويزدهر، وتمتد حدود المساحات الخضراء، وبذلك تتأكد مقولة الباحث والسياسي في بروكسل Benjamin Biard ومفادها أنّ إسبانيا حديقة بقوليات أوروبا، ومصنعها الخلفي وورشة بنائها وعماراتها الجديدة.
نمو متّزن ومتوازن
تتبوّأ إسبانيا المرتبة الـ 28 على سُلَّم التنمية البشرية للأمم المتّحدة، والمرتبة الــ 30 في نصيب الأفراد من الناتج المحلّي الإجمالي (PIB) وفق تشخيص صندوق النقد الدولي. وأرقام الاقتصاد في نموّ مطّرد، وهي ترتكز إلى صناعة السيارات، والتكنولوجيا الطبية العلاجية، والصناعات الكيميائية، وبناء السفن، وصناعة النسيج، فضلًا عن السياحة التي هي الدرّة في التاج. واللافت أنّ اقتصادات شبه الجزيرة الإيبيرية، أي إسبانيا والبرتغال تتقدّم على نظيرتها الأوروبية مدعومة بحزمة مزايا ومميزات، مثل الإنفاق المحلي الديناميكي وازدهار الصناعة والزراعة وجذب الرساميل الأجنبية. وقد برزت مدريد بين الاقتصادات الأفضل أداءً في منطقة اليورو، خلال الربع الأخير من العام 2025 والنصف الأول من 2026، وفق دراسة صادرة عن المصرف المركزي الأوروبي (BCE) في فرانكفورت (ألمانيا)، وتجاوزت برلين وباريس وروما. وحسب كبير اقتصاديي إيطاليا في مذكرة صادرة عن «أكسفورد إيكونوميكس»، فإنّ الناتج المحلي الإجمالي في روما أدنى من نظيره في إسبانيا، وفي مستوى ألمانيا، وأعلى قليلًا من فرنسا.
تستند المذكرة إلى إحصاءات وخلاصات وأرقام، وترسم مسارات مستقبلية حتى العام 2030. ولعلّ أبرز نقاط القوة لدى الحكم الاشتراكي هو الأداء الجيّد لقطاعات الإنتاج وخلق فرص عمل ومعالجة شيخوخة السكان، إضافةً إلى إضفاء المرونة وعقلنة الضرائب، والتخطيط والرقابة الحكومية الرصينة. ويكشف المحرّر الاقتصادي في يومية Le Monde الفرنسية أنّ الوزير الأول Pedro Sanchez لا تغيب عن ذهنه تداعيات الأزمة الاقتصادية الهائلة التي هزّت ركائز الدولة الإسبانية بين العامين 2008 و2014، وعُرفت حينها بــ «الركود الإسباني العظيم»، ونتج عن انفجار فقاعة البناء والرهن العقاري المتهوّر، وكانت ترجمته الأولى انهيار النظام المصرفي، واستشراء معدّلات البطالة وهجرة الشباب. وقد ظلّت عواقب تلك الأزمة المخيفة تلاحق الاقتصاد الإسباني وتنهكه لسنوات، تاركةً بصماتها الثقيلة عليه، لكنّ المشهد انقلب تمامًا بعد 12 عامًا، وصحيفة بوليتيكو الأميركية لاحظت في آخر ملاحقها الخاصة العائدة إلى العام 2025 أنّ «ما نراه في إسبانيا هو نمط النمو الأكثر توازنًا واتّزانًا في التاريخ الحديث». وإذ يوافق وزير الاقتصاد الإسباني كارلوس كويربو (Cuerpo) على هذه القراءة يستدرك قائلًا: «ثمة من يحلو له تبسيط الأمر. فالمعجزة الإسبانية ليست وليدة السياحة وحدها بل قطاعات حيوية أخرى أيضًا».
السياحة دعامة أولى للاقتصاد الإسباني
ثمة إجماع في الأوساط الإسبانية والأوروبية على أنّ السياحة هي الركيزة الأساسية في الدورة الاقتصادية، وهي التي ترفد محرك القاطرة بالوقود الضروري لانطلاقتها. فالإحصاءات تؤكّد أنّ إسبانيا استقبلت في العام 2024 نحو 93,8 مليون زائر أجنبي، في تجاوز واضح لرقم 2019 القياسي، وفي العام التالي (2025) قفز الرقم إلى 94 مليون سائح. لكنّ فرنسا ظلّت الأولى عالميًّا، وليس أوروبيًا فقط، مع نحو 100 مليون سائح في العام الماضي. وتتبوأ إسبانيا المركز الثاني، فيما تحتل إيطاليا الموقع الثالث وتنافس «صندوق العجائب والغرائب الإسباني»، كما يقول التشكيلي والرسام والنحات بابلو بيكاسو، ابن مدينة ملقا (Malaga) الأندلسية.
يكشف آخر مسح إحصائي أجرته حكومة Sanchez أنه في الأشهر الأربعة الأولى من 2026، دخل إسبانيا 26,5 مليون زائر، وفي نيسان 2026 وحده، قصدها نحو 9,1 مليون سائح دولي، مما يرفع التوقّعات في نهاية هذا العام إلى 100 مليون زائر. وتظل المملكة المتّحدة المصدر الرئيسي لقوافل الزوار مع 1,7 مليونًا في نيسان الماضي بينما حلّت فرنسا في المرتبة الثانية مع ما يقارب 1,3 مليون سائح في حين سجّل الألمان تراجعًا نسبيًّا، ليلامسوا رقم 1,2 مليون شخص.
ارتفاع الطلب على «الواحة السياحية» الإسبانية يعزّزه استقرار الوضع ومتانة الأمن في سياق دولي يتّسم بعدم اليقين الجيوسياسي والصراع في الشرق الأوسط أحد عناصر رفع وتيرة هذا الدفق غير المسبوق في فترة وجيزة من العام الجاري. ولعلّ أبرز المناطق السياحية وأكثرها استقطابًا للسياحة هي إقليم كاتالونيا وعاصمته برشلونة، تليها مدن مدريد، ملقا، وأشبيلية (عاصمة إقليم الأندلس Séville)، وجهة مسار الخليجيين وغرناطة… تضاف إلى هذه التشكيلة جزر الكناري والباليار. وهذه الأمكنة تتمتّع بتنوّع حضاري وثقافي وبانورامي فريد، يتجلّى في معالم تاريخية، ومتاحف، وقصور مَهيبة، فضلًا عن جماليات الطبيعة الخلّابة بين بلاد الباسك في أقصى الشمال وملقا في أقصى الجنوب. ويتّسم المطبخ الإسباني بتنوّع رائع يُترجم قوس قزح الثقافات والتقاليد المحلية، وفي قائمة الأطعمة المطلوبة من الزوار، أطباق بحرية وأنواع من الحساء والفطائر المتمايزة وولائم تعتمد على الروّ (مزيج من الدقيق والدهن) وثمار البحر كمكوّن رئيسي. ويُشكّل التسوّق في المخازن الحديثة إضافة إلى الأسواق الشعبية محطة رئيسية في التطواف السياحي، فالمتاجر تعرض أسعارًا لكل الميزانيات والطبقات، ولا ترمي أحدًا على قارعة الطريق مهما كانت أوضاعه هشّة وعلى الحافة.
تُعدّ برشلونة زهرة المدن الإسبانية، فقد حوّلها المهندس الكاتالوني انطوني غودي (1852 – 1926) إلى متحف مفتوح للفن المعماري بفضل تصاميمه الرائعة، ومن أبرزها بازيليكيا ساغرادا فاميليا ذات الهندسة المعمارية الفذّة والنادرة. وتُمثّل عوائد السياحة في الناتج المحلي الخام الإسباني نحو 15 في المئة، والتوقّعات في مدريد مرصودة على رقم 257 مليار يورو في هذا العام، على أساس موارد قيمتها 121 مليار يورو تحقّقت في الأشهر الستة الأولى من 2026. لذلك يُشكّل القطاع الدعامة الأولى في القاطرة الاقتصادية.
قفزة التقنيات الرقمية
بعد السياحة يأتي قطاع التكنولوجيا الحديثة والطليعية، بما هو مكوّنات رقمية في الدرجة الأولى، ويمثّل 26 في المئة من الناتج المحلي الخام. ووفق عملية مسح إحصائي قامت بها المفوضية الأوروبية نهاية 2025، فإنّ قطاع المعلوماتية، وهو الأكثر دينامية بين دول الاتحاد الــ 27، يضخّ في الخزانة العامة نحو 138 مليار يورو، ويُوظّف قرابة 728 ألف موظّف محترف، من خرّيجي معاهد وكليات متخصّصة. ويفسّر تقرير المفوضية الأوروبية هذه الطفرة بفيضٍ وافر من الاستثمارات الأجنبية تجتذبها مراكز البيانات والمعطيات المنتشرة في العاصمة مدريد وضواحيها. وفي العام 2025، استقطبت هذه المراكز تمويلًا استثماريًّا ناهز 7 مليارات يورو، ما جعل من العاصمة الإسبانية إحدى أبرز عقد التواصل والترابط الالكتروني في أوروبا الجنوبية. وثمة مناطق إسبانية أخرى تتمتّع بالحكم الذاتي مثل إقليم أراغون (شمال – شرق)، تشتهر بدورها في قلب عملية الابتكار والتحديث، فيما برنامج Perte Chip المزوّد ميزانية تلامس 12 مليار يورو يبحث عن صانعي موصلات جزئية (Semi Conducteur). وفي الواقع، شهد العام 2025 انطلاقة مشروعين نموذجيّين لتجميع شرائح الهواتف الجوّالة في كل من مدينتي ساراغوسا أو سرقسطة، عاصمة إقليم أراغون، وملقا (الأندلس) على خلفية تقليص وخفض تبعية القارة العجوز لآسيا، وتحديدًا الصين. ولا شك في أنّ التشريعات الجديدة حول الشركات الناشئة (Starts up) وإجازات تأسيس مراكز وعناوين لمواقع إلكترونية، وكلها تتميّز بالمرونة والحدّ من جاذبيات البيروقراطية والأثقال الضريبية، حوّلت إسبانيا إلى وجهة أوروبية رئيسية لاجتذاب طبقة متعدّدة الجنسيات والهويات، من الغرب والشرق معًا، تضم اختصاصيين ومحترفين في المعلوماتية، وقد ناهز عددهم 30 ألفًا في العام 2025، أي بارتفاع 22 في المئة مقارنةً بالعام 2024. هؤلاء استقروا في المدن الكبرى، وضخّوا قدرًا لا بأس به من دينامية الأعمال والمبادرات، وأسهموا في شكل خاص في امتصاص آفة البطالة، خصوصًا في أوساط الشباب.
صناعة السيارات والزراعة والموضة
زاد الإنتاج الصناعي في إسبانيا بنسبة 2 في المئة في نيسان الماضي مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2025. وتهيمن على هذا القطاع صناعات السيارات، الكهربائية منها في شكل خاص، وكبار شركات التصنيع الأوروبية في هذا المجال مثل Renault، بيجو، وفولسفاغن، أسّست مصانع لها في إسبانيا لرخص اليد العاملة بالمقارنة مع فرنسا وألمانيا، ولتوافر اختصاصيين محليين في التكنولوجيا الحديثة والطليعية، مثل تكنولوجيا السيارات الكهربائية وتقنياتها الدقيقة، والتجهيزات الإلكترونية على متنها. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر مصنع Palancia العائد لشركة Renault، ويرقى افتتاحه إلى العام 1978، ويُنتج الطرازات الأيقونية مثل Espace، وRafale، إضافةً إلى طرازات أكثر كلاسيكية مثل Captur، Megane، وKadjar. وللشركة الفرنسية مصنع ثانٍ في إسبانيا هو Valladolid المتخصّص في هياكل المركبات ويعمل منذ 1972. وقد اشترت مؤخّرًا مصنعًا لإنتاج علب السرعة ولوازمها في مدينة أشبيلية الأندلسية، ودخلت على الخط الإسباني شركتا Mercedes وFord لكي تكتمل الرقصة، فيما ماركة Seat الإسبانية التي تنتج طرازات Ibiza، Leon، وCupra اندمجت مع الكونسيورسوم الألماني العملاق Volswagen.
بعد هذا الكوكتيل الصناعي غير المألوف، تأتي الزراعة وصادراتها الكثيفة إلى القلب الأوروبي، وتشمل هذه الصادرات الزيت وزيتون المائدة والأجبان والزعفران والفاكهة الموسمية. وبينما يحتل تصنيع الأغذية موقعًا متقدّمًا في هذا السياق، يبرز أيضًا قطاع صناعة الأزياء، إذ تُعدّ إسبانيا موطنًا لماركات عالمية ومتاجر التجزئة الشهيرة. ولعل شركة أنديتكس العملاقة لا تحظى فقط بشعبية التفافية واسعة حولها بل أنّها تهندس أيضًا مشهد الموضة العالمي. ويُعدّ معرض برشلونة للمنسوجات السنوي واجهة معبّرة عن فن الإبرة والخيط الإسباني، بما يضاهي الإنتاج الفرنسي جودة وجاذبية، لكنّه يتمايز عنه بأسعار متهاودة تتيح لأوسع شريحة من الذوّاقة امتلاكه والتخايل به.
ورشة الصناعات الدفاعية
جاء في تقرير بعنوان «صناعة الدفاع في إسبانيا» قدّمه مدير الإدارة العامة للاستراتيجية والدفاع التابعة لوزارة الدفاع في مدريد، الجنرال ميغل إيفورا، في 25 شباط 2026، أنّ الصناعات العسكرية الإسبانية سجّلت رقمًا قياسيًّا في الفترة الممتدة من 2024 إلى منتصف 2026 الجاري، لامس 15 مليار دولار. وفي ذلك قفزة نوعيّة وارتفاع في حجم التصنيع والتسويق قيمته 17 في المئة، مقارنةً بما تحقّق في العام 2023. ومردّ القفزة إلى قطاع الطيران العسكري الذي استحوذ على 54 في المئة من الإيرادات، يليه القطاع البحري بنسبة 10 في المئة. فما هي تشكيلة الأسلحة التي تنتجها إسبانيا؟ المعروف أنّ سانتا باربرا سيستيماس للصناعات الدفاعية القائمة في مدريد، هي واحدة من كبرى الشركات التي تزوّد الجيش الإسباني الدروع الثقيلة مثل دبّابة القتال الرئيسية Léopard 2، ومركبات Pizarro المؤلّلة، وخطوط التصنيع الأساسية فيها مشدودة إلى الآليات المدرّعة والطرّادات البرمائية والخاصة، ومنظومات الأسلحة، إضافةً إلى ذخائر وصواريخ ودوائر البحث والتطوير. وفي الفترة الأخيرة، سوّقت سانتا باربرا نظام ماركسمان المضاد للطائرات في عدة دول عربية وأفريقية ولاتينية بعدما أظهر فعالية تفوق ما تنتجه الصين، وروسيا، ورومانيا من منظومات مماثلة، ولا شك في أنّ خصوصية صناعة الدفاع الإسبانية تتمثّل في قوّتها وتنوّعها، لكنّها لا تضاهي الصناعات الفرنسية التي تنتج مقاتلة Rafale المصنّفة بين أفضل 5 مقاتلات في العالم، ودبابة Leclerc – الجيل الثالث – ذات المواصفات القتالية الباهرة. وتطمح المؤسّسة الدفاعية الإسبانية إلى مجاراة فرنسا تقنيًّا في هذا الميدان الاستراتيجي الحسّاس، وهي تبذل جهدًا كبيرًا للصمود في هذا السباق غير المتكافئ. لكنّ هذا لا يمنع أنّ مدريد العسكرية – الدفاعية تمتلك مقوّمات وقدرات في حقول الحرب البرية، والبحرية، والجوية، والأمن السيبراني، وأنظمة الفضاء. والمفارقة أنّ الشركات الكبرى التي تصنّع منظومات أسلحة دفاعية معقّدة لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، فيما بؤر التصنيع الديناميكية تختزلها شركات متوسّطة الحجم وصغيرة تلعب أدوارًا حيويّة في الابتكار والتعاقد والتسويق. ويذكر الاختصاصيّون في نادي المعارض العسكرية أنّه في 19 تموز 2018، أبرمت دولة خليجية وازنة اتّفاقية مع شركة «نافانتيا» الإسبانية لشراء 5 سفن حربية من طراز أفانتي 2200 مزوّدة نظام Catiz لإدارة عمليات القتال، وHermesys لنظام الاتّصالات ونظام Dorna للتحكّم بالنيران.
صراع الديكة
مرّت العلاقات الإسبانية – الأميركية في حالات مدّ وجزر من دون أن يطفو التوتر أحيانًا على السطح. ويمكن القول في شكل عام أنّ مدريد ارتبطت بوشائج ثقافية صلبة، واقتصادية مثمرة مع «العم سام» بغض النظر عن نوع الإدارة في البيت الأبيض. لكنّ حالة النشاز الأبرز في السياق الأوركسترالي المدوزن بدأت مع وصول الاشتراكيين إلى الحكم وانتخاب بيدرو سانشيز وزيرًا أول في بداية حزيران 2018، ومن ثم التجديد له في 25 تشرين الثاني 2022. ولحظة الذروة في ليّ الذراع بين ترامب – سانشيز كانت في آذار الماضي عندما هدّد البيت الأبيض بقطع العلاقات التجارية مع مدريد بعدما رفضت السماح للمقاتلات الأميركية باستخدام قواعدها العسكرية لقصف إيران. وأعلنت حكومة سانشيز أنّها لا يمكن أن تسمح للقوات الأميركية بتحريك قاعدتي روتا البحرية ومورون الجوية، وكلتاهما تقعان في منطقة الأندلس بالقرب من مضيق جبل طارق، وتتمركز فيهما منذ فترة طويلة قوات تابعة للبنتاغون. وقد اضطرت واشنطن إلى سحب 15 مقاتلة من قاعدة مورون، بينها طائرات تزويد بالوقود. وقد لجأ البنتاغون إلى قاعدة سيغونيلا Sigonella الواقعة في شرق جزيرة صقلية كبديلٍ عن قاعدتي روتا ومورون.
اختلالات بنيوية
وراء الأرقام الزاهية تتخفّى وقائع وملامح وأوضاع سريعة العطب، وهي قديمة وشبه متجذّرة في الجسم الاقتصادي والاجتماعي الإسباني، وتعوق تطوّره للّحاق بمعايير ومستويات المعيشة والاستدامة في شمالي القارة الأوروبية. ولعل مشكلة الإسكان تأتي في الدرجة الأولى، وهي تضغط على أصحاب القرار، فمع تزايد الطلب وقلة العرض، قفزت الأسعار بنسبة 50 في المئة، أي أكثر من ضعف الزيادة في الأجور. ثم تأتي التفاوتات والفوارق بين المناطق، وهي بدورها تتعمّق وتصبح أكثر حدّة. إقليم الأندلس الجنوبي هو الأكثر نموًّا وتوافرًا لفرص العمل، تأتي بعده مجموعة مقاطعات مدريد، أمّا الأقاليم الأخرى، فتعاني بطالة الشباب بنسبة 25 في المئة، ما يوحي بوجود اختلالات بنيوية عميقة. ويبدو أنّ شيخوخة السكّان مشكلة مثيرة للقلق بدورها، فالولادات قليلة، ومعدّل الأعمار هو 83 عامًا. ومَن هم فوق 65 عامًا يمثّلون نحو 21 في المئة من مجموع السكان البالغ عددهم نحو 48 مليونًا. وتقدّر مدريد أن يلامس عدد هؤلاء المتقاعدين حدّ 24 في المئة من المواطنين في العام 2030، مع ما يترتّب على ذلك من ضغوط على المالية العامة وصناديق التقديمات الاجتماعية.
ولعلّ نقطة العطب الأساسية في هيكلية العمل والعرض والطلب تتمثّل في ازدواجية الفرص، خصوصًا وأنّ النظام المعمول به، وهو الأكثر تواترًا والأبعد تطبيقًا يقوم على الموسمية. وعلى سبيل المثال، يشتدّ الطلب على اليد العاملة عندما يحين موعد قطاف الزيتون، أو الفراولة، أو الحمضيات، وهنا تستورد مدريد يدًا عاملة رخيصة من المغرب. لكن عندما تنتهي المواسم يبقى قسم من هذه اليد العاملة الزراعية في أقاليم البلاد الريفية، وعددها 17 إقليمًا ذاتي الحكم ومدينتان ذاتيتا الحكم أيضًا. ونتائج هذا الوضع ظاهرة في عدم التواؤم بين المهارات المتوافرة وحاجات الشركات والمؤسّسات العامة والخاصة، على الرغم من الجهود لمضاعفة التدريب والتكوين والتأطير. واللافت أنّ الأوضاع الداخلية لا تسمح بتبديد الشكوك والريبة واستتباب الأمور، ذلك أنّ الائتلاف الحاكم، الذي يتشكّل من الاشتراكيين واليسار الراديكالي، يبدو هشًّا وسريع العطب بسبب توتّرات إقليمية. فمنذ العام 2015، اضطر هذا الائتلاف للتفاوض على كل حالة على حدة في نصوص الميزانية العامة، وأخفق في غالب الأحيان، في إقرارها في البرلمان المكوّن من مجلسين بمحموع 614 عضوًا، وهما المجلس الأعلى أي الشيوخ، وعددهم 264 عضوًا، والمجلس الأدنى، أي النواب، وعددهم 350 عضوًا. وفي أحيان كثيرة، يتحوّل المجلسان إلى برج بابل تشريعي، فيضيع الهدف الإصلاحي الذي تطالب به بروكسل، وهي العاصمة السياسية لدول الاتحاد الأوروبي الــ 27، وسط السجالات والمواقف المتضاربة وينعكس الجدل البيزنطي تأخيرًا في روزنامة إصلاحات تمسّ مباشرة مترتّبات التقاعد، والضرائب والسكن وهو الطامة الكبرى.
هل يكسب سانشيز استحقاق 2027؟
في محصلة نهائية يبقى السؤال المركزي: القاطرة الإسبانية السائرة، الآن، بقوّة قصوى، هل تخفّف من انطلاقتها للسماح للقاطرات الأكثر صعوبةً، وتباطؤًا، أو تعثّرًا بأن تعزّز أوضاعها أو تتركها على قارعة السكّة غير آبهة بأحوالها، ومشغولة بأرقامها ومصالحها ونجاحاتها؟ وهل يتمكّن الائتلاف الحاكم من تعميق الإصلاحات البنيوية الضرورية وبلورتها قبل استحقاق 2027 الانتخابي أم يتحوّل «الاستثناء الإسباني» إلى مشهد عابر أو محطة مؤقّتة في تاريخ اقتصادي متنافر ومليء بالمفارقات؟ تأسيسًا على الثوابت والمتغيرات، نعود إلى 25 آذار الفائت، عندما وقف سانشيز أمام النواب رافضًا تورّط بلاده في الحرب ضدّ ايران، على الرغم من ضغوط واشنطن، وبدا أشبه بجندي على الجبهة، مبتعدًا عن المساومة، كما فعل في الحرب على غزة. وقيل يومها إنّ هذه النبرة التي رفعت شأنه على المسرح الخارجي أتت بعد سلسلة هزائم انتخابية لحزبه PSOE أي حزب العمال الاشتراكي الإسباني. قال سانشيز في مداخلته: «إنّني أنسجم مع الخطّ الذي صاغه سلفي الاشتراكي جوزيه لوي زاباتيرو في العام 2004، عندما سحب القوات الإسبانية من الحرب على العراق». ووجّه سهامه إلى رئيس الحكومة المحافظ السابق جوزيه ماريا ازنار الذي «ورّطنا في المشكلات من أجل أن يُدخّن السيكار مع الرئيس الأميركي». وشنّ هجومًا على كل أطياف اليمين الإسباني مستدركًا أنّ «العلاقات مع الولايات المتّحدة ما تزال متينة على الرغم من عثرات موضعية وطارئة تتعلّق باستخدام قاعدتي Rota وMoron في الأندلس وإغلاق مجالنا الجويّ منذ 30 مارس أمام المقاتلات الأميركية التي تقصف إيران». هذا الخطاب أمام ممثلي الأمة يختزل تناقضات الوزير الأول الإسباني، فبقدر ما هو قويّ في الخارج لوضوحه وشجاعته، هو موضع انتقاد ومحاصر في الداخل، ويكافح من أجل بقائه السياسي، ويبدو أنه متمسّك، وسط الاستقطاب الحاد، بإكمال ولايته والترشّح في سباق 2027 التشريعي، على الرغم من تآكل شعبيّـته الحزبية وأفول نجمه السياسي. لكن ما هو الوقت الذي يمكن لأي قائد سياسي أن يتكّئ إلى قامته الدولية للتعويض عن نزيف وضعه الداخلي؟ الجواب، لا شك، في انتخابات العام القادم.
كورّيدا سياسية
ثمة من سارع إلى الاستنتاج بعد انتخابات إقليم الأندلس، في 17 أيار الماضي، أنّ ما يُعرف في أدبيات اليمين الأوروبي بــ «الاستثناء الإسباني»، في طريقه إلى الزوال بعدما أصبح حزب VOX اليميني رقمًا صعبًا في معادلة السلطة، إذ انتزع 15 مقعدًا من أصل 109 مقاعد هي مجموع تشكيلة المجلس الأندلسي، وحلّ في الموقع الثاني بعد الحزب الشعبي (PP) اليميني المحافظ الذي حصل على 53 مقعدًا، فيما حزب سانشيز الاشتراكي، وهو PSOE، فاز بــ 28 مقعدًا. ويتوقّع العارفون أن يتحالف حزب VOX مع حزب PP لصوغ معادلة أغلبية وازنة في هذا الإقليم الاستراتيجي الذي يُعتبر مختبرًا سياسيًّا لا يخطئ عادةً علاماته ومؤشراته. وقد يُسفر هذا التحالف عن انقلاب في الاهتمامات والأولويات، فتُغلق أبواب الهجرة، وتُعطى الأولوية للإسبان في برامج الرعاية الاجتماعية. والبارز في المشهدية السياسية الأندلسية هزيمة الاشتراكيين بعدما أمسكوا بالدفّة الانتخابية طوال عقود، وصعود النزعة القومية المحلية ممثلة في حزب «إلى الأمام الأندلس» الذي حصد 8 مقاعد، ما يهزّ التوازنات القائمة بين السلطة المركزية في مدريد وأقاليم الحكم الذاتي. لقد نجحت هذه السلطة حتى الآن في احتواء النزعات الانفصالية في أقاليم الباسك، وكاتالونيا، وغاليشا (Galice وعاصمته Saint-Jacques-de-Compostelle). غير أنّ عودة الشوفينية السياسية من شأنها إرباك حسابات النخب الإسبانية بمختلف أطيافها الوطنية والإقليمية، وخلط أوراق السباق التشريعي القادم. وهنا يستقطب حزب VOX اليميني المتطرّف شعبية إضافية من خلال طرحه «المغري» الداعي إلى إعادة النظر في تركيبة الدولة وتحويلها من اللامركزية إلى المركزية الصارمة على غرار فرنسا وألمانيا وبولونيا والمجر، ما يعني مراجعة دستور 1978 وإلغاء العمل بأقاليم الحكم الذاتي والتصدّي للنزعات الانفصالية. وهكذا تبدو الانتخابات التشريعية المقبلة محطة كسر عظم بين اليمين بطيفه المحافظ والمتطرّف، واليسار والأحزاب القومية الإقليمية مع ما يعني ذلك من مفاجآت وتداعيات.
مراجع
1- Les paradoxes de l’Espagne – Du franquisme à la révolution féministe – Le Monde diplomatique manière de voir – Décembre 2025 – Janvier 2026 – Ouvrage collectif.
2- Le Bilan du Monde – Edition 2026 – Géopolitique, environnement, économie.
3- Histoire de l’Espagne contemporaine de 1808 à nos jours – auteur : Jordi Canal – Editeur : Armand Colin – Paris 2021.
4- La Démocratie Espagnole – Institutions et vie politique – Auteur : Hubert Peres et Christophe Roux – Editeur : Presses universitaires de Rennes – 2016.
5- Histoire politique de l’Espagne après Franco (de 1975 à nos jours) – Auteur : Mathieu Trouvé – Editeur : Presses universitaires de Bordeaux – 2024.
6- Maquis, Histoire des guérillas antifranquistes – Auteur : Secundino Serrano – Editeur : Nouveau monde – Paris – 2021.











