- En
- Fr
- عربي
أضواء كاشفة
ما معنى زرقة المحيطات، وغروب الشمس، والألعاب النارية، وروعة الشلالات، وتوهُّج النجوم، ولُجَين جبل صنين، وشموخ الأرز، وجاذبية الموناليزا، وسحر مغارة جعيتا، واللوحة الراقصة لكركلا، إن غاب نور العين؟ ما هي الحياة في مقلتين مظلمتين استراح فوقهما جفنٌ حالمٌ بحقول التوليب وسنابل سهل البقاع؟ إنّ وقْع فقدان البصر مُرّ وصعبٌ في عجلة كوكب الأرض المشغَلة بالحواس الخمس. لكن بالنسبة إلى الكفيف، للعالم إيقاعٌ يخرق الحواس المتبقية، مزخرفًا المخيّلة بمفاهيم مختلفة لهوية اللون والضوء، معتمدًا القلب والعقل بدلًا من العين.
الكفيف هو الشخص الذي فقد حاسة البصر منذ الولادة أو في مرحلة لاحقة، ويعتمد على الحواس الأخرى مثل السمع والشم واللمس للانسياب في الحياة اليومية. لكن فقدان البصر لا يعني تراجع الإدراك أو فقدان القدرة على التعلّم واكتساب مهارات جديدة، بل على العكس، إذ يمكن أن يكون دافعًا لبلورة قدرات أخرى أكثر عمقًا. وهذا ما تجسّده رشا، الشابة ذات العشرين ربيعًا، التي تتجاوز قيود فقدان البصر في سعيها لإثبات نفسها في المجتمع. هي الصبية الحالمة بتصوُّر شروق الشمس وبتوهج القمر، والتي لم تلمح من وجه أمّها الجميل سوى ومضات خاطفة عبر بريق عينيها الصغيرتين، قبل أن يسلبها خطأ طبي نعمة الإبصار بعد عامها الأول، ليغدو وجه الأم صورةً مقيمة في الذاكرة والمخيّلة، لا في العين.
لقب رشا ليس «الصبية التي كفّ بصرها»، بل المتخصصة الجامعية التي تعيش بنور مقلتي والديها وبين أخويها الصغيرين. تدرس جاهدةً باستخدام الوسائل المتاحة في لبنان مثل قارئ الشاشات والناطق والتطبيقات المناسبة لتحقيق طموحاتها. وهي تصف حياتها من خلال الركن الأساسي: المنزل. فداخله، هي شبه مبصرة، أما خارجه فكفيفة. لذا، يُمثّل المنزل بالنسبة إليها الأمان والثقة والضمان لتأمين الحاجات، لأنّها اعتادت تفاصيله وأفراده، حيث بات ملجأ للخصوصية والاستقلالية. فالملابس مثلًا في أماكنها المعتادة وكذلك الأحذية، لكنها تغفل تنسيق الألوان بطبيعة الحال ما لم يرشدها أحد الموجودين في المنزل.
إيقاع العالم
خارج المنزل، تصبح رشا خارج مساحة الأمان لقلة إدراكها برحابة العالم الخارجي وامتداده ومخاطره اليومية والاجتماعية. فهي تصف الشوارع مثلًا من خلال رائحة البنزين والفرامل وأصوات المولدات الكهربائية ونداء بائع الكعك وصوت الآذان ورنين أجراس الكنائس… بينما الجزء الأقرب إلى قلبها من العالم الخارجي فهو البحر والسماء رغم غياب النور. تحب الزرقة من دون أن تراها، إذ تُشبع فضولها من خلال اندفاع الموج الذي يثير الرهبة والحماسة في آنٍ، ومن خطواتها العارية على حرير الرمال تحت تراقص الزبد. تصف السماء بأنّها «فوق» وواسعة، تشعر بدفء الشمس على خديها المبتهجين وبرشّات المطر فوق خصل شعرها المتناثر. لكنها لا تستطيع أن تتخيل أو تحوي فكرة لامحدودية السماء والكون والكواكب.
نحنُ عيناكِ
في المجتمع العائلي، تعاني رشا، كما معظم المكفوفين، من الشعور بالعزلة رغم الزحمة، سواء بسبب تجاهل البعض لحضورها أو لإثقالها بضعف الثقة بالنفس والقلق جرّاء الشفقة والإفراط في تقديم المعونة، عدا عن سماعها المحادثات الخافتة والأحكام السطحية من أفواه فارغة. فهؤلاء يجهلون مدى تأثير العمى في التحفيز على التركيز والسمع، ويجهلون أيضًا دور المجتمع العائلي في دعم الكفيف وتشجيعه على التعبير عن رأيه، والمشاركة في اتخاذ القرارات، بهدف تثبيت دوره الفعال وقدراته التنموية. رشا، من جهتها، حاولت مرارًا وتكرارًا تخطّي هذه الأحكام والحالات الحرجة بشجاعةٍ وثقة من خلال اللجوء إلى الطبيبة النفسية لا للعلاج، بل لمحاولة فهم المجتمع ككل وتبرير نظرته إلى المكفوف.
هل ترغب في أن أساعدك؟
بدورها، توضح الطبيبة النفسية أنّ سلوك المجتمع لا ينبع من سوء نية، بل من جهلٍ وخوف من الاختلاف، ما يولّد الأحكام والمحادثات الخافتة من جهة، والحاجة إلى تقديم المساعدة من جهة أخرى. فالإنسان يميل فطريًا إلى مساندة الأشخاص الأكثر عرضةً للتحديات والصعوبات، مدفوعًا بإحساسٍ داخلي بالمسؤولية وبما ترسّخه الثقافة من قيم التضامن. كذلك، تنبع الحاجة الاجتماعية إلى دعم ذوي الاحتياجات الخاصة من دوافع نفسية في مقدّمها التعاطف القائم على تخيّل الفرد نفسه في موقع الكفيف، وهو ما يعزّز لديه الشعور بالقيمة الذاتية والرضا. وفي أحيان أخرى، قد يشكّل تقديم العون استجابة غير واعية لتخفيف القلق المرتبط بفكرة الإعاقة.
في المقابل، فإنّ الكفيف، رغم فقدانه القدرة على الرؤية، غير أنّه يمتلك أدوات إدراكية أخرى، إذ يتسلّح بذاكرة سمعية وبالتركيز الشديد وبدقة ملاحظة للتفاصيل إلى جانب حسّ فني متقدم وقدرة على التعاطف مع الآخرين وتفهمهم.
أنا أعمى، أنا أعمل
الكفيف ليس عاجزًا كليًا، وهو قادر على الاعتماد على وسائل بديلة. هذا ما تغفله معظم الشركات خلال مقابلات العمل مع الأشخاص المكفوفين، حتى ولو كانت مؤهلاتهم مناسبة للمواصفات الوظيفية المطلوبة، ما يزيدهم شعورًا بفقدان الاستقلالية المادية. ما يحتاجه المجتمع اليوم، لدمج الكفيف بطريقة سليمة، هو احترام كرامته واستقلاليته، والاستئذان قبل تقديم المساعدة. والأهم هو التمكين والدعم المعنوي بدلًا من الشفقة، واحترام قدرات الكفيف وتقدير طاقاته.
في لبنان، ينص قانون حقوق الأشخاص المعوقين (القانون 220/2000) على حقوق الكفيف في العلاج والتأهيل على نفقة الدولة، والحق في العمل والمشاركة في سوق العمل، وغيرها من الحقوق، لكنها غالبًا ما تظل مجرد نصوصٍ على الورق بسبب ضعف الأنظمة التنفيذية والخطوات التطبيقية.
انطفأ النور
ثمة من أصبحوا أكفّاء لسبب ما، بالنسبة إلى هؤلاء، لا يقتصر فقدان البصر على غياب الرؤية فحسب، بل يترافق غالبًا مع صدمة نفسية عميقة وحزن ثقيل على الصورة البصرية التي تشتّـتت بين خلايا الذاكرة. هؤلاء بحاجةٍ أكبر إلى الدعم النفسي لأنّهم لم يفقدوا النظر وحده، بل خسروا معه قدرًا من الاستقلالية والثقة بالنفس، إذ وجدوا أنفسهم أمام حياة «جديدة» بكل ما تحمله الكلمة من معنى ومستقبل ضبابي، ويا ليت الرؤية كانت ضبابية لا مظلمة! ففقدان البصر الطارئ أو التدريجي يستحضر مشاعر المقارنة المتواصلة بين «القَبْل» و«البَعْد»، بين مجد الماضي وهوان الحاضر. لذلك، يحتاج هؤلاء إلى العلاج النفسي المناسب، إلى جانب التأهيل الحركي والمهني، كما يُفترض تشجيعهم على التفاعل والتخالط مع أشخاص مكفوفين إيجابيين في محاولة للانسياب مع الإيقاع الحياتي الجديد.
تتعدد أسباب فقدان البصر المكتسب، من حوادث السير والحوادث المهنية، كدخول أجسام حادة في العين، التعرض للتعنيف أو الاعتداء كالضرب على الرأس، مرورًا بالاصطدامات الرياضية والتعرض لِلَكمةٍ قوية، وصولًا إلى خوض الحروب والتعرض للشظايا والانفجارات والمواد الكيماوية، كما حدث مع البعض من عناصر جيشنا الباسل. فتحيّة لمن صانَ الأرزة فوق الجفون وأظلَمَ، فمزج النور بالدمِ ليلوّن العلم!
يدي، رفيقتي الوفية
بينما يتكئ الكفيف على حواسه الأربع ليبصر العالم من حوله، فإنّ الكفيف – الأصم يناضل بالثلاثة المتبقية. وتُعد هذه الحالة من أندر فئات الإعاقة الحسية، لكنها موجودة وهي تتطلب اهتمامًا خاصًا ودعمًا مضاعفًا. التحدي الأكبر هنا يكمن في التواصل في ظل غياب وسيلتَي البصر والسمع الأساسيتين، ما يعرّض المصابين لخطر العزلة الاجتماعية والاعتماد المستمر على شخصٍ وسيط أو مرافق. وبالنسبة إليهم، فإنّ استبدال الأذنين والعينين باليدين هو وسيلة التواصل الوحيدة مع العالم. فاللغة المستخدمة هنا هي، لغة الإشارة باليد أو استخدام الأبجدية اللمسية ولغة البرايل الحسية.
أضواء الشهرة رغم الظلمة
إن كان البعض ممن يتنعّم بحواسه الخمس يتذمر من حياته اليومية ويشكو من الصعاب والعقبات، فإن شخصيات كفيفة عديدة تخطت إعاقتها بعزيمةٍ وشجاعة مواجهة التحديات البيولوجية والاجتماعية والنفسانية والعملانية لإثبات أنّ الإعاقة الحقيقية تكمن في البصيرة لا في البصر. نذكر من بين هذه النماذج الملهمة، الناشطة الحقوقية والكاتبة هيلين كيلر، ومخترع نظام برايل للقراءة والكتابة للمكفوفين لويس بريل، بالإضافة إلى ستيفي وندر الموسيقي والملحن، المثال الحي على العبقرية الموسيقية، ومغني الأوبرا العالمي أندريا بوتشيلي، وعميد الأدب العربي طه حسين، والإعلامية اللبنانية داليا فريفر التي كسرت رقمًا قياسيًا في موسوعة غينيس بتقديم أطول بث تلفزيوني مباشر مع 91 ضيفًا.
استنتاجًا، تشير واقعة فيزيولوجية عالمية إلى أنّ إغلاق العين للمبصرين يستدعي الذكريات، ويرتّب الصور الذهنية، كما يحوّل الانتباه من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي. فالدراسة الجامعية الصادرة من University of Surrey في العام 2018، أثبتت أنّ إغلاق العينين في أثناء عملية التفكير واسترجاع المعلومات، يساعد على تقليل التشتيت البصري وتحرير موارد الدماغ المعرفية ما يحسّن التركيز والذاكرة والإبداع.
لذا، فلنُغمض أعيننا قليلًا ولنبصر جمال العالم… من الداخل.











