وجهة نظر

الصراع في أوكرانيا نقطة تحوّل وساحة اختبار لأسلحة ”الذكاء الاصطناعي“
إعداد: جورج علم
كاتب ومحلل سياسي

غادرت السنابل الذهبية سهول أوكرانيا. غابت الغمار المغمّرة فوق بيادر البركة. تيتّم العشق عند الروابي القاحلة التي كانت ذات يوم مرتعًا ”لدوّار الشمس“، ولوحة طبيعية للأقراص المزركشة بلون الفرح، حيث كانت حبيباتها تهدي العالم، خوابي العافية من الزيت، وأطايب المقالي.

تحولت الحرب الأوكرانية إلى مختبر مفتوح من دون ضوابط، لتقييم فعالية الأسلحة الحديثة، وأنظمة التكنولوجيا العسكرية المتطورة، سواء من جانب روسيا، أو من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث تستخدم الأطراف المتواجهة فضاء أوكرانيا وسهولها وجبالها وتضاريسها ومدنها وقراها، ساحات قتال لاختبار أداء أنظمة الذكاء الاصطناعي، والأسلحة المتطورة والطائرات المسيّرة وسط بيئات حروب شديدة التعقيد.

تستغل الدول الغربية ساحة المعركة للوقوف على مدى فاعلية أسلحتها التقليدية منها والذكية على أرض الواقع. وتُعدّ أوكرانيا أفضل مختبر لصقل العقائد القتالية، وقياس مدى نجاح المنظومات المتطورة.

ويسود اعتقاد لدى خبراء عسكريين أوروبيين أنّ هناك من لا يريد إنهاء الصراع، طالما أنّ هناك المزيد من ضخ الأسلحة، من بينها دبابات «أبرامز»، ودبابات «ليوبارد»، والتي أعلنت برلين عن إرسالها لتنضم إلى أسطول الأسلحة الغربية الآخذ بالتضخم في أوكرانيا.

ويشدّد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دمتري بيسكوف على «أنّ تزويد كييف بالأسلحة الغربية لن يغيّر الوضع على الأرض، بل سيُطيل معاناة الشعب الأوكراني». ويؤكد أنّ «دبابات «تشالنجر – 2» البريطانية سيكون مصيرها الحرق كغيرها».

وكان مكتب رئيس الوزراء البريطاني قد أعلن أنّ المملكة المتحدة أرسلت 14 دبابة من طراز «تشالنجر – 2». ومن جانبه، دعا رئيس الوزراء البولندي ماتيوش مورافيتسكي ألمانيا لإرسال «جميع الأسلحة المطلوبة إلى أوكرانيا»، وذلك تزامنًا مع تصاعد مطالب كييف للحصول على دبابات «ليوبارد – 2».

 

الإمكانات العسكرية.. والإمكانات البشرية

تتوازن في الحرب الأوكرانية الإمكانات العسكرية بين الطرفين إلّا أنّ الإمكانات البشرية غير متوازنة. ولعل السؤال الذي طرح في بروكسل (مقر الاتحاد الأوروبي) خلال كانون الثاني الماضي: ماذا ستفعل كييف بكل قطع السلاح الغربي إذا جفّت مواردها البشرية عن تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين في صفوف جيشها؟

فعدد سكان روسيا يفوق ثلاثة أضعاف عدد سكان أوكرانيا، فضلًا عن انضباط الدولة الروسية وقدرتها على حشد الجنود بما يفوق مثيلتها الأوكرانية، مع الأخذ في الحسبان أنّ أكثر من سبعة ملايين أوكراني غادروا البلاد نازحين إلى أوروبا، ومثلهم نزحوا داخليًا، مما يعني أنّ ثلث سكان أوكرانيا البالغ تقريبًا 45 مليونًا بات خارج الكتلة السكانية القادرة على تغذية القوات المسلحة الأوكرانية.

وبالنظر لهذا الواقع السكاني المختل، تواجه أوكرانيا جيش دولة تكبرها بشريًا بثلاثة أضعاف تقريبًا، ومساحةً بعشرات المرات. وعدا الإمكانات اللوجستية والاقتصادية، والموارد الروسية الضخمة، فإنّ هذا الفارق في الإمكانات البشرية واللوجستية والموارد، سيشكّل عاملًا حاسمًا في مسار المواجهة المندلعة منذ سنوات. وقد تحوّلت إلى حرب استنزاف بكل ما في الكلمة من معنى. ويبدو أنّ روسيا تستفيد من امتحان آخر تقنيات الأسلحة الغربية في أوكرانيا، إذ تحولت هذه الدولة بالنسبة إلى موسكو «حقل اختبار» تفحص فيه قدراتها العسكرية أمام أكثر الأسلحة الغربية المتطورة، ومن دون أن تواجه جيوشًا أوروبية قوية. ولا شك في أنّ هذا قد يعقّد المواجهة العسكرية ويجعلها أكثر صعوبة بالنسبة إلى موسكو، لكنّه أيضًا يمنحها فرصة لاختبار أسلحة «الناتو».

 

الذكاء الاصطناعي

على مدى السنتين الماضيتين، تحولت حرب أوكرانيا إلى مختبر للذكاء الاصطناعي. «الروبوتات القاتلة»، أو «روبوتات الذبح»، مجرد أنظمة روبوتية مستقلّة قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها من دون تدخّل بشري.

في بعض الأنظمة يُعطى الأمر الأولي للهجوم بشريًا، لكن بعد هذا الأمر يتمتع «الروبوت» بدرجةٍ من الاستقلالية في العمل. وتختبر حاليًا بعض الأنظمة الأخرى التي يمكنها العمل من دون الحاجة إلى التدخل البشري مطلقًا في العديد من البلدان.

وقد عقدت الأمم المتحدة في العام 2022 اجتماعًا على خلفية العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا ناقشت خلاله استخدام أنظمة الأسلحة المستقلة، أو ما يعرف باسم «الروبوتات القاتلة»، وهي أسلحة مبرمجة للعثور بدقةٍ على فئة محددة من الأهداف. ويمكنها تحديد الهدف ومهاجمته بكفاءةٍ سواء كان بشرًا أو غيره، مع سيطرة بشرية قليلة على القرارات التي يتخذها «الروبوت القاتل». إلّا أنّ روسيا عملت على إبطاء هذه المناقشات التي كانت في الأساس بطيئة بالفعل، نظرًا للضغوط والتدخّلات الدولية.

ويقول الباحث برانكا ماريجان، وهو أستاذ متخصص في الآثار العسكرية والأمنية للتكنولوجيات الناشئة، عبر مقال في مجلة «ساينتفيك أميركان»: «لقد كنت أتتبّع خطوات تطوير الأسلحة المستقلّة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وحضرت مناقشات الأمم المتحدة حول هذه القضية لأكثر من سبع سنوات، ويمكن القول هنا أنّ العملية العسكرية الروسية أصبحت حالة اختبار للكيفية التي ستكون عليها الحروب إذا استمر استخدام الذكاء الاصطناعي ودمجه في الأسلحة، وهو الأمر الذي من المرجح أن يستمر بالفعل».

ويشير ماريجان إلى «أنّ التكنولوجيا الكامنة وراء بعض أنظمة الأسلحة المستقلّة هذه ما تزال غير ناضجة، وعرضة للخطأ. وهناك القليل من الوضوح حول كيفية عملها، وكيفية اتخاذها القرارات، وقد يضرب بعضها أهدافًا خاطئة، كما أنّ الضغوط التنافسية قد تؤدي إلى وضع المزيد من الأنظمة غير الجاهزة للمشاركة في ساحات المعارك».

 

”التمرّد“ التكنولوجي

حتى وقت قريب، كان استخدام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على الحرب الإلكترونية التي تشمل هجمات «البرامج الضارة»، أو انتحال هويات المسؤولين في الحكومات من أجل الوصول إلى البنية التحتية الحيوية، مثل شبكات الكهرباء أو الأنظمة المالية والبنكية، لكنّ القوى العظمى لم تكتفِ بهذا، وهي تستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم لتطوير أسلحة مدمّرة. وقد أدى التقدم التكنولوجي إلى ظهور آلات لديها القدرة على إزهاق أرواح البشر من دون سيطرة الإنسان.

وتصف ورقة بحثية نُشرت مؤخرًا تحت عنوان «تسليح الذكاء الاصطناعي.. ما يحتاج الناس معرفته»، الأمر بأنّه يمثل تهديدًا غير مسبوق للبشرية، وهي تبدأ بذكر مثال الأسلحة الكيميائية المحظورة الآن في جميع أنحاء العالم بموجب بروتوكول جنيف، لتوضح كيف أنّ التطور التكنولوجي الذي كان يهدف في البداية إلى مصلحة البشرية، قد أنتج في نهاية المطاف ما يسمى الآن بـ «تسليح الذكاء الاصطناعي»، وأحد أشكال هذا التسليح هو «بنادق الاستشعار الثابتة المستقلة». ويمكن تعريف هذه البنادق بأنّها سلاح بعيد يتم توجيهه وإطلاقه تلقائيًا على الأهداف التي تكتشفها أجهزة الاستشعار، وهو نوع من الأسلحة الدفاعية يُستخدم لاكتشاف صواريخ العدو قصيرة المدى وطائراته وتدميرها.

تحتوي بندقية الاستشعار الأولى من نوعها، على نظام متكامل من الذكاء الاصطناعي يتضمن المراقبة والتتبّع وإطلاق النار والتعرّف على الصوت، وتُعرف باسم «SGR – A1»، وقد طورتها كوريا الجنوبية بهدف مساعدة القوات المسلّحة في معاركها.

وتختبر حاليًا بعض الأنظمة الهجومية الأخرى التي يمكنها العمل من دون الحاجة للتدخل البشري مطلقًا في العديد من البلدان. ومن خلال هذه الأنظمة يتم تفويض قرار نشر القوة العسكرية، وبدء القتال إلى «آلة»، وهو تطور من شأنه أن يغيّر شكل الحرب في المستقبل تغييرًا جذريًا.

 

«روبوت» يتخذ قرار الحرب النووية

لكن هناك ما هو أهم من السلاح وقدراته، أي قرار استخدام السلاح. ويمكن للبرامج التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي أن تقود القوى الكبرى إلى تقليص فترة اتخاذ القرار إلى دقائق بدلًا من ساعات أو أيام. وفي المستقبل قد تعتمد هذه الدول كثيرًا على التقييمات الاستراتيجية والتكتيكية للذكاء الاصطناعي، حتى عندما يتعلق الأمر بالحرب النووية.

ويوضح هربرت لين، خبير الأمن السيبراني الذي يعمل في مجلس العلوم والأمن في الولايات المتحدة، «أنّ الخطر هنا يكمن في أنّ صانعي القرار يمكن أن يعتمدوا تدريجيًا على الذكاء الاصطناعي الجديد كجزءٍ من القيادة العسكرية والسيطرة على الأسلحة، لأنّه يعمل بسرعةٍ أكبر بكثير مما يستطيع البشر القيام به».

وضمن كتاب نشر هذا العام، تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي.. والقنبلة»، حاول النائب جيمس جونسون من جامعة «أبردين» في بريطانيا تقديم صورة تخيّلية عن نشأة حرب نووية عرضية في بحر الصين الشرقي في العام 2025. واعتبر أنّ هذه الحرب قائمة بالكامل على المعلومات الاستخباراتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بين الجانبين الأميركي والصيني، بالإضافة إلى كونها مدارة بواسطة «الروبوتات» المزودة تقنية الذكاء الاصطناعي، وعمليات التزييف العميق.

هذا التصور قد لا يكون خياليًا، أو بعيدًا عن الواقع بعد النظر في جهود الدول لدعم وتعزيز دمج الذكاء الاصطناعي في تسليحها.

هنا يلفت الخبير هربرت لين إلى أنّه «عندما يبدأ الناس بالاعتقاد بأنّ الآلات تفكّر بشكلٍ صحيح ودقيق، يثقون بها تمامًا، ومن المرجح في هذه الحالة أن تفعل الآلات أشياء مجنونة؟!».

وتوضح رابطة الحد من الأسلحة، أنّ الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحديثة الأخرى مثل الصواريخ التي تفوق سرعة الصوت، قد تؤدي إلى «عدم وضوح التمييز بين الهجوم التقليدي والنووي. وأنّ التسابق على استغلال التقنيات الناشئة وتوجيهها للاستخدام العسكري، قد تسارع بوتيرةٍ أسرع بكثيرٍ من الجهود المبذولة لتقييم المخاطر التي تشكّلها، ووضع قيود على استخدامها».

 

بادرة البنتاغون

في الوقت الذي تقوم فيه وزارة الدفاع الأميركية بتحديث توجيهاتها بشأن أنظمة الأسلحة التي تنطوي على استخدام الذكاء الاصطناعي قائلة إنّه يجب استخدام بعض الأحكام البشرية على الأقل في تطوير أنظمة الأسلحة المستقلّة ونشرها، يقوم البنتاغون في الوقت نفسه بتجربة دمج الذكاء الاصطناعي في عملية منع القرار في جميع فروع الخدمة العسكرية وأوامر القتال المتعددة. هذا بالاضافة إلى قيام الإدارة الأميركية بقمع وتقليل صادرات التكنولوجيا الفائقة إلى الصين، وبخاصةٍ أشباه الموصلات المتقدمة من أجل الحفاظ على الريادة الأميركية في الذكاء الاصطناعي.

 

المسيّرات

لا شيء في عالم الحرب يظهر فيه التأثير المتزايد للذكاء الاصطناعي أكثر من الطائرات المسيّرة – «المسيّرات» أو «الدرونز» – وهي طائرات يتم تسييرها من دون طيار، وتأتي بأشكالٍ وأحجام مختلفة، من الأجهزة المحمولة الصغيرة، إلى الطائرات الكبيرة ذات الأجنحة الثابتة.

لقد أدى دمج الذكاء الاصطناعي في تكنولوجيا الطائرات من دون طيار إلى فتح الباب لزيادة إمكانات هذه الطائرات بصورةٍ غير مسبوقة. ويعتمد الذكاء الاصطناعي على ما يعرف باسم «التعلم الآلي» الذي يستخدم خوارزميات معقدة للتعرف على أنماط البيانات تلقائيًا، ثم يقوم بتطبيق ما تعلمه لاتخاذ قرارات أفضل وأكثر موثوقية. ويعمل الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، بشكلٍ متوازٍ ويعالجان كميات هائلة من البيانات ويجريان حسابات معقدة.

وحتى وقت قريب كانت الطائرات من دون طيار قادرة فقط على عرض ما التقطته كاميراتها. الآن، بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكنها إدراك ما يحيط بها، ما يمكّنها من تحديد المناطق وتتبع الكائنات وتقديم ملاحظات تحليلية في الوقت الفعلي.

وتوضح مجلة Insight Analytics أنّه يمكن لخوارزميات الذكاء الاصطناعي تمكين الطائرات من دون طيار من الطيران بشكلٍ مستقل من دون الحاجة إلى تدخل بشري، وتمكّن هذه الاستقلالية المسيرات من تغطية مناطق أكبر، وأداء المهام بشكلٍ أكثر كفاءة. ويمكن أيضًا استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التي تجمعها الطائرات من دون طيار، وتمكينها من اتخاذ قرارات أكثر استنارة.

لا تقف الأمور عند هذا الحد، إذ نشرت مجلة «نيوزويك» تقريرًا في العام 2016، يوضح فيه الكاتب كيفن ماني أنّ الدمج بين الذكاء الاصطناعي والطائرات من دون طيار يمكن أن يجعل «الدرونز» تحكم العالم.

وبعد نحو سبع سنوات على تقرير ماني، وتحديدًا في شباط 2023، نشرت المجلة نفسها تقريرًا يشير إلى أنّ الولايات المتحدة تقوم بتطوير مسيّرات تعمل بالذكاء الاصطناعي يمكنها استخدام تقنية التعرف على الوجه للكشف عن وجوه الأهداف بدقة.

ويقول مايك رايدر محاضر التسويق والروبوتات والذكاء الاصطناعي، والحرب والإطلاق، وباحث «الدرونز» في جامعة لانكستر في بريطانيا لـ «نيوزويك»: «إنّ المعضلة الأخلاقية الرئيسية هنا هي أنّ دولًا مقتدرة تستخدم الطائرات من دون طيار لضرب أهداف استباقية، أي اغتيال وقتل أشخاص محددين ينظر إليهم على أنّهم قد يشكلون تهديدًا محتملًا في وقت ما في المستقبل. وتعمل هذه الضربات على افتراض أن الشخص المراقب لديه قدرة على تنفيذ جرم ما في المستقبل، رغم أنّه لم يفعل أي شيء لحظة استهدافه بـ «الدرونز» بتقنيات الذكاء الاصطناعي».

 

الدبابات الروبوتية

من الطائرات إلى المركبات حيث حققت روسيا بالفعل تطورات مهمة في صناعة المركبات المستقلة المزوّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الآن يمكن أن تعمل من دون مشغلين بشريين.

وفي العام 2021، أثارت هذه المركبات الروبوتية الروسية الإعجاب في مناورات «زاباد» الحربية، وهي واحدة من أكبر المناورات العسكرية الروسية منذ الحرب الباردة. وخلال المناورات انطلقت مركبات «Uran – 9» التي يراها الخبراء خطوة مهمة في سعي روسيا لتطوير وحدة عسكرية فعّالة من الروبوتات بالكامل.

سابقًا، كانت الدبابات تُعدّ سيدة المعارك البرية، فهي تتميز بخفة الحركة وقوة الدروع وقوة النيران الموجهة فضلًا عن قدرة أعلى على المناورة. ويُعدّ المدفع ذو العيار الكبير سلاح الدبابة الأساسي إضافة إلى بعض الأسلحة الفرعية مثل الرشاشات وقنابل الدخان، فماذا بعد إضافة الذكاء الاصطناعي إلى هذه الأسلحة؟

عمومًا، تأتي جاذبية الروبوتات القتالية في كونها غير مأهولة، ولا تحتاج إلى العنصر البشري مباشرة لإدارتها وتوجيهها، لأنّه يمكن التحكّم فيها عن بعد.

وتوضح مؤسسة «راند – RAND» وهي هيئة بحثية مموّلة من الجيش الأميركي، أنّ استخدام القادة البشريين للمركبات القتالية الروبوتية في المعركة سيكون من خلال واحد من طريقين: أحدهما هو المركبات الروبوتية التي يتحكم فيها عن بعد مشغلون بشريون. أمّا الثاني والذي توقّعت المؤسسة بدء استخدامه في العام 2030، فيتمثل في إنشاء وحدات ذاتية التحكم بالكامل يشغلها الذكاء الاصطناعي.

وتحاول الحكومات التي تصنّع هذا النوع من المركبات خفض تكلفة إنتاجها، لكن النجاحات في هذا الأمر ما زالت محدودة.

ورغم ارتفاع تكلفة المركبات الروبوتية، فإنّ روسيا قامت في شباط 2023 بنشر مركبات روبوتية جديدة في شرق أوكرانيا في محاولة لمواجهة تهديد دبابات «ليوبارد – 2» ألمانية الصنع.

والمركبات التي نشرتها روسيا، هي أنظمة المركبات الروبوتية «ماركر» غير المأهولة، والمسلّحة بمدافع رشاشة 7.62 ملم، وصواريخ مضادة للدبابات، كما يمكن استخدامها لحمل الطائرات العسكرية من دون طيار، والتحكّم فيها.

وخلال تصريحات صحفيّة، قال ديمتري روغوزين رئيس الفرقة الخاصة من المستشارين العسكريين الروس المعروفة باسم «ذئاب القيصر»، إنّ مركبات «ماركر» ستكون بمنزلة «صائدي دبابات ليوبارد». ويوضح قائلًا: «ماركر» يمكنها تحديد معدات العدو تلقائيًا. وبمجرّد استخدام القوات الأوكرانية لدبابات «إبرامز» ودبابات «ليوبارد» ستتمكن «ماركر» من تحديدها واكتشافها وضربها تلقائيًا باستخدام الصواريخ الموجهة المضادة للدبابات».

 

أوكرانيا ساحة اختبار لأسلحة وتكنولوجيا الناتو العسكرية

يعتقد الخبير العسكري في المعهد الوطني للقانون والأمن RANEPA ألكسندر ستيبانوف، أنّ أوكرانيا بمثابة أرض اختبار واسعة النطاق لعمليات الحرب متعددة المجالات بدءًا من الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى الأنظمة المستقلة، وهذه الساحة تساعد الغرب على صقل عقائد قتالية جديدة.

وبحسب ستيبانوف، ينشر حلف الناتو «عمليات متعددة المجالات»، إذ يدمج بشكلٍ وثيق الطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، في بيئة عملياتية موحدة. والهدف الأساسي هو تحسين الوعي الميداني في الوقت الفعلي، وتسريع عملية اتخاذ القرار، مع تقليل التدخل البشري المباشر إلى أدنى حد.

وتُجرى اختبارات على أنظمة الأسلحة الغربية في سيناريوهات واقعية لمواجهة قدرات روسيا في الحرب الإلكترونية، وشبكات الدفاع الجوي. وتساعد هذه العملية «المجمّع الصناعي العسكري الغربي» على فهم أساسيات الصراعات المستقبلية.

جدير بالذكر أنّ شركات تكنولوجيا أميركية كبيرة مثل «بالانتير» و«ماكسار»، تدعم أوكرانيا في معالجة المعلومات الاستخباراتية، وتحليل بيانات الأقمار الصناعية، وتحديد الأهداف بدقة في الميدان. وتأتي في هذا الإطار جهود عسكرة التقنيات المدنية لأغراض تكتيكية.

 

الثورة في الأنظمة غير المأهولة

يشكّل الصراع في أوكرانيا نقطة تحوّل في التاريخ العسكري مع الانتشار الواسع للمركبات ذاتية القيادة. ففي بعض وحدات الخطوط الأمامية، وصل معدل المعدات إلى 10 طائرات مسيّرة لكل جندي. ويشير هذا التحوّل إلى تراجع أنظمة الأسلحة التقليدية الضخمة، واستبدالها بمنصات روبوتية مرنة.

ويؤكد الخبير ستيبانوف قائلًا: «إنّنا نشهد ثورة عسكرية بلغت ذروتها في ما يتعلق بالروبوتات والأنظمة غير المأهولة، وقد أدى الانتشار الواسع لهذه الأجهزة إلى تغيير جذري في التكتيكات الدفاعية والهجومية على الأرض».

 

التوسّع في مجال الفضاء الإلكتروني والبحوث البيولوجية

إلى جانب العمليات البرية، امتد الصراع إلى الفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي، وقد سُجلت هجمات حجب الخدمة الموزعة واسعة النطاق استهدفت البنية التحتية الروسية للطاقة والمالية واللوجستية.

في الوقت نفسه تعمل البنية التحتية العسكرية لحلف (الناتو) في دول البلطيق وفنلندا بنشاطٍ لتوفير أحدث الحلول العسكرية.

علاوةً على ذلك، أعرب خبير الوكالة الروسية للبحوث الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية عن قلقه إزاء شبكة المختبرات البيولوجية المدعومة من الغرب في منطقة ما بعد روسيا الاتحادية. وأكّد أنّ هذه المختبرات تجري أبحاثًا على مسببات الأمراض ذات التطبيقات العسكرية المحتملة تحت ستار البحث العلمي المدني.

 

قدرات أوكرانيا

كشفت أوكرانيا علنًا عن أنظمة الدفاع الساحلي السرية الخاصة بها لأول مرة، وحققت اختراقًا استراتيجيًا على الجبهة الجنوبية من خلال الكشف عن نظام صواريخ الدفاع الساحلي «هاربون» بعد سنوات من إبقاء تكوين نشره سرًا منذ استلامه من الولايات المتحدة والدانمارك.

وعرضت أوكرانيا علنًا، ولأول مرة، أربعة أنظمة صواريخ مضادة للسفن تطلق من الشاطئ:

– نظام «نبتون» المطوّر محليًا.

– نظام «هاربون» النروجي.

– نظام الصاروخ البحري النروجي NSM.

– نظام RBSS-15 السويدي، بالإضافة إلى طائرات مسيرة.

وذكرت وكالة «تاس» الروسية أنّ واشنطن مدّت أوكرانيا بـ 4 منظومات «أفينجر – أم» الأميركية الملقبة بـ «الثائر» لاختبارها في المعارك.

الولايات المتحدة ليست الوحيدة التي قامت بتجارب أسلحة في أوكرانيا، فقد فعلت الأمر نفسه عدة دول غربية مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وبولندا… ووفق «نيويورك تايمز» فإنّ المساعدات الغربية في معظمها إصدارات محدّثة مؤخرًا من الأسلحة القديمة، مثل الصواريخ الألمانية «إيريس – تي».

ومن أبرز ما تم اختباره:

– منظومات «أفينجر – أم» الأميركية.

– برنامج «دلتا» وهو نظام ذكي ومعلوماتي للإنذار المبكر، وتم اختباره خلال تقدّم الأوكرانيين في معركة خيرسون.

– نظام «سكاي» و«ايبرس» الألماني المضاد للطائرات.

– القوارب الانتحارية التي يتم التحكم فيها عن بعد.

– نظام الدورنات الأميركية ضد الدورنات المعروفة باسم «أنفيل».

– أقمار صناعية لشركات خاصة مثل شركة SpaceX التابعة للملياردير الأميركي إيلون ماسك لإمداد كييف بالمعلومات، ولتنفيذ عمليات استطلاع.

وسلمت الولايات المتحدة – وفقًا لـ«سي أن أن» – طائراتها الحديثة المسيرة من نوع Gray Egle، وبالتالي جرى اختبارها في المعارك.

أمّا بالنسبة إلى المدفعيّة فتم اختبار:

– منظومات «هيمارس».

– الصواريخ البريطانية المضادة للدبابات «نلاو».

– الدرونز بمختلف أنواعها، مثل «سويتش بليد»، و«كوادر كوبترهانوك».

وفي الدفاع الجوي تم اختبار الأنظمة البريطانية «ستار ستريك»، والألمانية «ايرست – تي»، والأميركية «نسامز». وجرى تنفيذ تجارب بيولوجية في مختبرات أوكرانيا بتمويل تخطى 400 مليون دولار بحسب وزارة الدفاع الروسية.

 

قدرات روسيا

استغلت روسيا الحرب في أوكرانيا، واختبرت عدة أنظمة، وصواريخ لأول مرة في الميدان، بينها:

– الليزر الحارق «بيريسفيت»، والذي يعطل الأقمار الصناعية، ويحرق الدورونات.

– دبابة «تي – 90 أم» الأكثر تطورًا.

– صواريخ فرط صوت من طراز «كينجال».

– دورنات «شاهد – 136»، و«مهاجر – 6» إيرانية الصنع.

– منظومة «إس 500»، وتجمع بين وظائف الدفاع الجوي والصاروخي.

 

الساحة.. والمختبر

كشفت تقارير عسكرية غربية أنّ أوكرانيا تحوّلت إلى ساحة اختبار للأسلحة الغربية الجديدة، وأيضًا للأسلحة الروسية. وأنّ المساعدات الغربية لكييف هدفها بالمقام الأول إجراء تجارب على السلاح الغربي التقليدي والذكي، ومدى فعاليته في المعارك الميدانية.

ووفق أحدث الأرقام، وصل إجمالي المساعدات العسكرية الأوروبية إلى أوكرانيا ما نسبته 45 بالمئة من حجم المساعدات الأميركية. وأكدت صحيفة «نيويورك تايمز» أنّ أوكرانيا أصبحت بالنسبة إلى الدول الغربية أفضل ساحة اختبار للأسلحة، والأنظمة الجديدة الأميركية والأوروبية.

فهل ستبقى ساحة؟!.

”حتى وقت قريب كانت الطائرات من دون طيار قادرة فقط على عرض ما التقطته كاميراتها. الآن، بفضل الذكاء الاصطناعي، يمكنها إدراك ما يحيط بها، ما يمكّنها من تحديد المناطق وتتبّع الكائنات وتقديم ملاحظات تحليلية في الوقت الفعلي.“

”تُجرى اختبارات على أنظمة الأسلحة الغربية في سيناريوهات واقعية لمواجهة قدرات روسيا في الحرب الإلكترونية، وشبكات الدفاع الجوي، وتساعد هذه العملية ”المجمّع الصناعي العسكري الغربي“ على فهم أساسيات الصراعات المستقبلية.“