- En
- Fr
- عربي
العوافي يا وطن
ليس أقسى من أن يُذكّرك الوقت بما كان في مثل تاريخه، بمحو ما كان من كبير الوجع وكثير الأهوال أمام هول الراهن، وذلك هو بالتحديد ما نحن فيه اليوم. قبل 20 عامًا، أتانا صيف لاهب بالحمم تزرع الموت في بيوتنا وحقولنا ومنشآتنا، وما بين مدننا وقرانا من جسور وطرقات. في ذلك الصيف من العام 2006 ظننّا أنّ ما عشناه من مآسٍ وخراب وما تحملناه من أثمان هو الحد الأقصى لما يمكن أن يحتمله بلد صغير كبلدنا. لكنّ ما نعيشه منذ أواخر العام 2023 حتى اليوم، يُعيد صياغة أوجاعنا من جديد. نبحث عن كلمات تصفها، نحاول إدراك هولها، فيصفعنا العجز عن الوصف والإدراك وحتى عن الشعور بحقيقة واقع ما حصل ويحصل على أرضنا.
بين صيف 2006 وصيف 2026، من كانوا صغارًا صاروا شبابًا، حمل كثيرون منهم حقائب فيها تجارب مرّة متراصة لا يفصل بين واحدتها والأخرى حيّز كافٍ لاستيعابها. الحرب، العجز، الفساد، انسداد الأفق، الأزمات بمختلف أشكالها وعمق تداعياتها، انفجار المرفأ، ومن ثم الحرب مجددًا… أولادنا الذين تصدوا لتداعيات الحرب في 2006 ولتداعيات انفجار المرفأ في صيف 2020، بكل ما يملكون من نخوة وما يتملّكهم من شعور بالمسؤولية تجاه وطنهم، حملوا حقائبهم إلى بلاد أخرى يبنون فيها ما عجزوا عن بنائه في وطنهم، وثمة من يلحق بهم اليوم. جيل بعد جيل نخسر نخبة شبابنا بالنار، بالهجرة، بالضياع…
أعود إلى ما نحن فيه اليوم، إلى بلدات وقرى أبادتها الاعتداءات الإسرائيلية وارتكبت بحق أهلها وأرضها ما لم يحصل في تاريخ الحروب ربما. أحاول أن أتخيل مشهد أناس يقفون في المكان الذي كان بيتهم وحقلهم، وهم يبحثون عن ذلك المكان! أتساءل كيف يمكن أن يعرف المرء في بعض القرى أنّ هنا كان له بيت بعد أن تُرفع الأنقاض ولا يعود من أثر لبيت أو حجر وشجر؟ والواقع أقسى في عشرات القرى التي تم مسحها بالكامل.
قد يُقيم الإنسان في أجمل بيوت الأرض وأفخم مناطقها سنوات طويلة، لكنّ المكان الذي ينتمي إليه وحده هو ما يستوطن وجدانه طوال العمر. نغيب عمرًا عن البيوت التي فيها شاهدنا أول شروق للشمس وأول مغيب، وتظل هي البيوت. نعرف موضع كل شجرة زيتون في الحقل، وكل حجر في موقد النار قرب البيت. نعرف روائح الصباح، وأصوات المعاول، وهمسات المساء. نعرف أيضًا موضع النجوم في سمائنا وأسماءها… يبقى كل ذلك حاضرًا في البال، نديًا كقمرٍ بدرٍ في ليلة صيف.
أمّا سائر الأماكن التي نقطنها ونمر بها يوميًا في ذهابنا إلى أعمالنا وعودتنا منها، فتقارب اللاأمكنة! قد نمضي سنوات وسنوات في التنقّل على الطريق إياها من دون أن نستطيع تحديد معالمها بالدقة التي نحدد بها معالم المكان الأول الذي ننتمي إليه. ذلك هو المكان… وكأنّ لا مطارح في الوجدان تستوطنها أمكنة سواه مهما انتقلنا في الأرض.
تنتابني هذه الأفكار فيما أشاهد صوَر انتشار الجيش في زوطر الغربية كمرحلةٍ أولى، وعلى مدخلها يتجمّع الأهالي منتظرين أن يُسمح لهم بدخولها بعد أن تُنجز الوحدات المختصة مسح المكان وتنظيفه من خطر مخلفات الحرب… أفكّر بكل سؤال، بكل دمعة في عيون العائدين إلى مكان بات لا مكان!
2026 صيف آخر في ظل حرب لم يحصل مثيل لها. صيف لعله يكون الأخير دماءً مهدورة ونارًا مدمّرة. ولعل الصيف يعود مواسم خير وأعياد في كل أرجاء لبنان، فنحتفل مع جيشنا في الأول من آب، ونحتفي به على كامل أرض وطننا. أرض بات فيها من الدماء والأحلام أكثر مما فيها من تراب.
وإلى أن يزول الكابوس وتتحقق الأماني، لا نملك سوى عبارة نعايد بها جيشنا الغائب عن الأعياد الحاضر في العطاء:
.العوافي يا جيشنا
.العوافي يا وطن











