- En
- Fr
- عربي
معرض
يقدّم معرض ”انطباعات عن الفردوس: السفر والسياحة والأداء البصري للبنان الحديث“ قراءة متأنّية لكيفية تشكّل صورة لبنان، وتسويقها، وتخيّلها بصريًا خلال القرن العشرين. ينطلق المعرض من ملصقات السفر والسينما المحفوظة ضمن مجموعة فيليب جبر الفنية. ويتتبّع عبرها نشوء صورة وطنية جرى تداولها بين عشرينيات القرن الماضي وسبعينياته، والتي قدمت لبنان بوصفه ”فردوسًا“ متوسطيًا يجمع بين العراقة، والترفيه، والانفتاح الكوزموبوليتي.
تحت إشراف القيّمة نور عسيران، وبحث ماري تومب، وسينوجرافيا مُحترف ميم نون، يضم المعرض أكثر من ثمانين ملصقًا، إلى جانب مجموعة من البروشورات والأدلّة السياحية، فضلًا عن إصدار كاتالوغ شامل يضم دراسات نقدية، ومراجع بيبليوغرافية، وصور مختارة من المعرض. ويشير فيليب جبر، جامع الأعمال المعروضة، إلى أنّ هذه الملصقات «صُمِّمت في الأصل للإقناع وجذب الانتباه في الفضاء العام، لا للعرض في المتاحف أو ضمن مجموعات مغلقة. ومع ذلك، شقّت طريقها إلى هنا، لتثبت أنّها ليست مجرد تحف جامدة، بل وثائق حيّة تحمل ذاكرة وعاطفة وإحساسًا بالهوية يتردّد صداه عبر الأجيال». ويضيف أنّ المعرض «يعكس التزامه الطويل بحماية وفهم التاريخ البصري والثقافي للبنان، من اللوحات الاستشراقية، مرورًا بالتصوير الفوتوغرافي، وصولًا إلى الفن الحديث.»
أقسام المعرض
يتألف المعرض من خمسة أقسام مترابطة في ثيماتها وسرديتها. يبدأ بقسم «بيروت نافذة» على العالم، حيث تُعرض ملصقات شركات الملاحة الجوية والبحرية الأجنبية التي صوّرت بيروت، منذ عشرينيات القرن الماضي، بوصفها بوابة إلى الشرق. أما القسم الثاني، «السفر والمتعة»، فيستكشف البُعد البصري للسياحة من خلال استحضار لطبيعة لبنان ومعالمه الأثرية وحياته المترفة ضمن خطاب حداثي متجدد. ويواكب القسم الثالث، المعنون «الخطوط الجوية اللبنانية»، نشوء شركات الطيران الوطنية وتطوّرها، من طيران الشرق الأوسط إلى الخطوط الجوية اللبنانية الدولية، ودورها في ترسيخ موقع لبنان كمحورٍ يربط بين الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، وهو ما انعكس بصريًا عبر تصاميم أنيقة وخطوط طباعية جريئة وألوان قوية.
أما القسم الرابع، «الدبلوماسية الثقافية»، فيتناول مرحلة ما بعد الاستقلال، حين جرى توظيف الثقافة أداةً لإبراز الهوية الوطنية، عبر انطلاقة مهرجانات بعلبك الدولية، وازدهار بيروت كقطبٍ ثقافي، وانتشار أفلام الجاسوسية، إلى جانب نشأة حركة سينمائية محلية جعلت من جمال لبنان استوديوًا طبيعيًا، وبرزت فيها ثلاثية فيروز والأخوين رحباني «بياع الخواتم»، و«سفر برلك»، و«بنت الحارس». ويُختتم المعرض بقسم «الصورة اللاحقة»، حيث يسعى فنانون معاصرون أمثال جوانا حاجي توما وخليل جريج، ولميا جريج، وسعيد بعلبكي، وكالين عون إلى تفكيك صورة لبنان الفردوسية، بوصفها أرضًا متنازعًا عليها، تتشكّل باستمرار بين الذاكرة والمادة والمعنى.
صور غير محايدة
تتنوع الملصقات المعروضة بين غابات الأرز، والآثار الرومانية، والمنتجعات الساحلية، والطيران الحديث، والمهرجانات الفنية الكبرى، كاشفةً كيف جرى توظيف التصميم الغرافيكي أداةً تواصلية ضمن صناعات السياحة والثقافة العابرة للحدود منذ مراحل مبكرة في تاريخنا المعاصر. لم تكن هذه الصور محايدة، بل جاءت أداءً بصريًا محسوبًا، يهدف إلى مواءمة لبنان مع تصورات وخيالات عالمية عن الحداثة والسفر والاستشراق والمتعة الراقية. واليوم، مع عرضها في فضاء جناح نهاد السعيد المُلحق بالمتحف الوطني، تنتقل هذه المواد من كونها أدوات ترويجية عابرة إلى وثائق ذاكرة وطنية ومؤسساتية. كما يتيح المعرض تتبّع تطوّر تقنيات التصميم الغرافيكي والطباعة على مدى نصف قرن، ورصد دورها في بناء الهوية البصرية الوطنية، من خلال أسماء مصمّمين ومطابع فرنسية ومحلية، مثل جان بيكار ليدو (1902-1982)، وجاكلين دوبي هرموش (1927-2022)، ودابو (1902-1979)، وجاك أورياك (1922-2003)، والمطبعة الكاثوليكية، ومطبعة صيقلي.
قوة ناعمة
ينجح المعرض في التعامل مع هذه الملصقات بوصفها وثائق تاريخية، لا مجرّد عناصر نوستالجية. فهو يبرز كيف أدّت صور السياحة دورًا من أدوار «القوة الناعمة»، ليس فقط في تشكيل نظرة الخارج إلى لبنان، بل أيضًا في الطريقة التي تعلّم بها اللبنانيون رؤية أنفسهم. وبهذا المعنى، يندرج المعرض ضمن توجّه إقليمي أوسع في الشرق الأوسط والعالم العربي، يعيد قراءة الأرشيفات البصرية والمطبوعات الرسمية لفهم السرديات الوطنية بعد الاستقلال. ومع ذلك، يظل المعرض متحفّظًا في تفكيك الشروط السياسية والاقتصادية والتكنولوجية التي أنتجت هذه الصور، والتي نشأت في سياق الانتداب، وتحالفات الحرب الباردة، وتفاوت التنمية، والتنافس الإقليمي على اقتصاديات السياحة. وكان من شأن إطار مقارن أوسع يضع لبنان إلى جانب تجارب موازية أو لاحقة في مصر أو تونس أو الأردن أن يُبرز أن «الفردوس» جزءٌ من منظومة إقليمية لصناعة الصورة، وليس فقط اختراعًا لبنانيًا محضًا.
تصادم الصور والواقع اللاحق
تكتسب إقامة المعرض في ظل الأزمات اللبنانية المتراكمة بُعدًا إضافيًا، إذ يُقرأ حتمًا على النقيض من الحاضر. فالسياحة، التي شكّلت يومًا ركيزة من ركائز الطموح الوطني، باتت أقرب إلى الذاكرة أو التخيّل، رغم محاولات استعادتها. وتتصادم الوعود التي تحملها الملصقات نحو حرية التنقّل، والوفرة، والمتعة مع واقع معاصر يتّسم بالانحدار والتشظّي وتآكل أبسط الخدمات العامة. ويكشف هذا التناقض فجوةً تتسع منذ نهاية الحرب الأهلية بين الصورة المتخيّلة والواقع المعاش، ويدفع إلى مساءلة أدوار القيّمين على المعرض ومن خلالهم المؤسسات الثقافية في تثبيت بعض أشكال الذاكرة وإقصاء أخرى، رغم ما تقترحه أعمال الفنانين المعاصرين المشاركين من رؤى متعددة لهوية لبنان البصرية.
دور المتاحف والأرشيف
في المحصّلة، لا يبدو معرض «انطباعات عن الفردوس» احتفاءً بعصر ذهبي مفقود بقدر ما هو تأمل في استمرارية الصور وحياتها اللاحقة. فهو يبيّن كيف تُواصل صور السياحة تشكيل الخيال الثقافي حتى بعد انهيار شروطها المادية وتغيّر أُطرها التاريخية. ويكمن ثقل المعرض النقدي في هذا السجال المستمر بين فردوس متذكَّر وأزمة معاشة، إذ يدعو إلى التفكير ليس فقط في كيفية تصوير لبنان لذاته أمام العالم في الماضي، بل أيضًا في كيفية تعامل المؤسسات الثقافية اليوم مع الحنين، والنقد، والسلطة. وبهذا، يساهم المعرض في نقاش متنامٍ حول الممارسات المتحفية في لبنان والمنطقة، مطلقًا أسئلة حول إمكان تجاوز المتاحف في المرحلة الحالية الحنين المفرط لتغدو فضاءات للمراجعة النقدية. لا يقدّم المعرض إجابة نهائية، وليس المطلوب منه أن يقوم بذلك، لكنه يذكّرنا بأنّ الأرشيف ليس بريئًا، وأنّ فعل التذكّر في جوهره فعل سياسي، حتى حين يبتسم لنا من خلف ملصق سياحي ملوّن.
”تتنوع الملصقات المعروضة بين غابات الأرز، والآثار الرومانية، والمنتجعات الساحلية، والطيران الحديث، والمهرجانات الفنية الكبرى، كاشفةً كيف جرى توظيف التصميم الغرافيكي أداةً تواصلية ضمن صناعات السياحة والثقافة العابرة للحدود منذ مراحل مبكرة في تاريخنا المعاصر.“
”يعكس المعرض التزامه الطويل بحماية وفهم التاريخ البصري والثقافي للبنان، من اللوحات الاستشراقية، مرورًا بالتصوير الفوتوغرافي، وصولاً إلى الفن الحديث.“
تصوير – منصور ديب
المعرض في المتحف الوطني – جناح نهاد السعيد للثقافة، من 20 حزيران 2025 إلى 15 شباط 2026.











