قضايا إقليمية

تحوّلات السياسة التركية إزاء الصراع في المنطقة
إعداد: إحسان مرتضى
كاتب وباحث متخصص في الشؤون الإسرائيلية

منذ تأسيس الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، اتجهت سياستها الخارجية نحو الغرب، وظلت العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية تمثل محور مصالحها السياسية، كما مثلت عضويتها في حلف الناتو أساس مصالحها العسكرية والاستراتيجية، فيما ظل ملف الانضمام للاتحاد الأوروبي جوهر مصالحها الاقتصادية. ومع انتهاء الحرب الباردة، بدأت السياسة التركية في السعي للقيام بدور أكثر فعالية في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز والمنطقة العربية عبر مشروع جيوستراتيجي طَموح، يجمع ما بين الحداثة الأوروبية والإرث العثماني. وكان لوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة أثره على تطلّع تركيا للقيام بدور إقليمي جديد وأكثر فعالية.
في الوقت الحالي، تخشى تركيا من أن يؤدي النظام الجديد الآخذ بالتشكل في الشرق الأوسط، إثر الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، إلى زيادة النفوذ الإسرائيلي والغربي، لا سيما في سوريا ولبنان وشرق المتوسط، على حساب حضورها ونفوذها. وهذا ما يُنذر بـ «حرب باردة إقليمية» تشعل التنافس على النفوذ والتحالفات والطاقة وطرق التجارة وقيادة الشرق الأوسط. وستمتد هذه الحرب من غزة وسوريا ولبنان إلى قبرص واليونان والقوقاز وشرق المتوسط بأكمله، ليصبح التنافس بين أنقرة وتل أبيب أحد أبرز العوامل المؤثرة في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد خلال العقد المقبل، بعدما طغت المواجهة بين «إسرائيل» وإيران على العقد الماضي. وفي السياق، منحت المراعاة الهادئة من قبل الرئيس ترامب لطلبات الرئيس أردوغان هامش مناورة معقولًا لحماية مصالحه الحيوية، ممّا مكّنه من تصعيد خطابه الاستفزازي لإسرائيل من دون المخاطرة بالدخول في صدام مباشر مع واشنطن. كما أتاحت الصراعات الدائرة في غزة ولبنان وسوريا لتركيا فرصةً لملء الفراغ الذي تركه تراجع النفوذ الإيراني؛ لكن انطلاقًا من جعل انتقاد الوحشية الإسرائيلية خطابيًا كمحورٍ أساسي في استراتيجيتها الدبلوماسية، باتت أنقرة تنظر إلى «إسرائيل» بوصفها منافسًا استراتيجيًا، لا مجرد دولة تختلف معها حول ملف أو أزمة معينة. وعندما يقول الرئيس التركي إنّ أمن بلاده لا يبدأ من حدودها الجنوبية، بل من حلب ودمشق وبيروت، وأنّها «لن تسمح بأوهام أرض الميعاد»، فهو لا يطلق شعارًا سياسيًا عابرًا، بل يرسّخ قواعد جديدة للأمن القومي التركي. فهذه المدن، في نظره، لم تعد مجرد عواصم لدول مجاورة، بل ساحات مواجهة سترسم نتائجُ الصراع فيها توازنات الأمن القومي لدول المنطقة لعقود مقبلة.

 

إرهاصات المواجهة مع تل أبيب
في خطاب قوي أمام حشد من حزب العدالة والتنمية، أكد الرئيس أردوغان أنّ «إسرائيل» باعتداءاتها الشرسة في المنطقة إنما «تهدد البشرية جمعاء» وتزعزع استقرار سوريا ولبنان وفلسطين والعراق ومناطق أخرى وتهدد الاستقرار الإقليمي الأوسع، بما في ذلك مصالح تركيا. وليست هذه هي المرة الأولى التي يهاجم فيها أردوغان «إسرائيل»، بل ركّزت انتقاداته تقليديًا على سياساتها العدوانية تجاه الفلسطينيين بشكلٍ خاص. ولهجته الحادة هنا، شكّلت جزءًا من نمط انتقادي أوسع تحرّكه مخاوف داخلية وإقليمية واستراتيجية. لا سيما وأنّه يواجه على الصعيد الداخلي، واقعًا اقتصاديًا صعبًا يتسم بارتفاع التضخم، واستمرار تآكل القدرة الشرائية، والتوترات السياسية مع المعارضة. وفي المقابل، ردّت «إسرائيل» بقوةٍ غير معتادة عليه.
على خلفية ما تقدم، بلورت تركيا تعاونًا متزايدًا مع مصر والسعودية وباكستان التي ترى أنّ استقرار المنطقة يتطلب قدرًا أكبر من التوازن في مقاربة واشنطن لملفات المنطقة، ليس من خلال الدخول في صدام معها، بل من خلال عدم اختزال كل المصالح الأميركية في المنطقة بالمصالح الإسرائيلية لوحدها.

 

 

تركيا في مواجهة مخاض التحوّل الإقليمي
إنّ الوضع الجديد الذي يفرزه توقيع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، كان يمكن أن يبدأ في العام 2015، عند التوصّل إلى الاتفاق النووي في عهد باراك أوباما، لولا أنّ ترامب مزّقه خلال ولايته الأولى في العام 2018، بتحريضٍ من رئيس وزراء «إسرائيل»، بنيامين نتنياهو. واحتاج الأمر إلى 8 سنوات، بدأت بالضغوط الاقتصادية القصوى، وانتهت بالحرب التي رأى ترامب أنّ حجم التداعيات يمكن أن يصيب مشروعه (ماغا) داخل الولايات المتحدة. ومن هنا جاء اقتناعه بأنّ الاستمرار في مجاراة إجرام نتنياهو، إنما صار يحمل مخاطر أكبر من أيّ مكاسب. فثمّة حكّام لدول نفطية كبرى في الخليج، وقطاعات اقتصادية واسعة في أميركا وخارجها، صاروا متضرّرين من استمرار الحرب، وعلى رأسهم كبريات شركات النفط الأميركية التي تسيطر على نفط الخليج. وبينما قد يتيح لها الاتفاق التوسّع نحو نفط إيران وغازها، يتسبّب استمرار الحرب بخسارة استثماراتها القائمة بالفعل في الدول الخليجية.

 

أردوغان والتحوّل الجيوسياسي
كانت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران تسعى لإعادة تشكيل المشهد الجيوسياسي والاستراتيجي في الشرق الأوسط بأكمله وفق المصلحة الأميركية الإسرائيلية، مما خلق تحديات جديدة أمام الجميع. وبالنسبة لأنقرة، كان أحد أخطر المخاوف طوال فترة هذا الصراع هو احتمال انهيار الدولة في إيران، مما قد يؤدي إلى سنوات من عدم الاستقرار والصراعات القومية والمذهبية والإتنية في المنطقة، وتأجيج الصراعات بالوكالة، وإثارة تدفقات كبيرة للاجئين، وإعادة إحياء قضايا الأمن الكردي الحساسة على طول الحدود التركية. وخشي المسؤولون الأتراك أيضًا من أن يؤدي استمرار الاضطرابات في إيران إلى تشجيع «إسرائيل» على إعادة تشكيل الديناميكيات الإقليمية وفق رؤيتها الاستراتيجية التوسعية الخاصة. لكن صمود إيران ومرونتها في التعاطي مع الأحداث، حالا دون حدوث أسوأ السيناريوهات في الإقليم. وعلى الأثر تمثّلت أولويات تركيا العاجلة في أمرين: السعي إلى منع عودة حرب إقليمية أوسع نطاقًا، والوقوف بوجه ما تعتبره جهودًا إيرانية لإعادة صياغة القواعد التي تحكم أمن الخليج والملاحة البحرية في مضيق هرمز. وتعتقد أنقرة أنّ مثل هذه التحركات قد تدفع دول الخليج، في نهاية المطاف، إلى التقارب مع كل من واشنطن و«إسرائيل». وفي حين يُتوقع أن تحافظ دول الخليج على علاقات قوية مع واشنطن، فإنّ العديد منها يسعى في الوقت نفسه إلى إقامة شراكات احتياطية بدل الاعتماد المفرط على قوة واحدة، وتركيا هي المرشحة الأولى في هذا المجال. فالصناعات الدفاعية المتنامية فيها، والتي جعلتها تحتل المرتبة الحادية عشرة عالميًا، تستفيد بشكلٍ خاص من الطلب المتزايد على مسيّرات بيرقدار التي أثبتت فعاليتها العملياتية في أوكرانيا، كما أنّ العلاقات القوية مع حكومات الخليج والرئيس الأميركي دونالد ترامب، تعزز مكانتها كشريكٍ أمني محتمل على المدى الطويل. ويتوقّع المحلّلون أن يمتد التعاون المستقبلي إلى ما هو أبعد من شراء أنظمة الأسلحة والطائرات المسيّرة التركية ليشمل مشاريع التصنيع المشتركة، ونقل التكنولوجيا، والاستثمارات الدفاعية، وبرامج التدريب العسكري.
إلى ذلك، أدت تطورات الصراع إلى تصاعد النقاشات حول الممرات التجارية الإقليمية والترابط الاستراتيجي. فالاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز أحيت الاهتمام بطرق النقل البديلة وسلاسل التوريد التي تربط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. ولا تعتبر هذه المشاريع كمشاريع اقتصادية فقط، بل كأدوات لتشكيل التحالفات الجيوسياسية المستقبلية. كما أنّ تحسين العلاقات بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي من شأنه أن يولد زخمًا في مجالات أخرى، بما في ذلك المفاوضات الجارية بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين المجلس وتركيا.
كانت تركيا تخطط لتكثيف علاقاتها مع الدول العربية وتحقيق نموذج من «التكامل الإقليمي»، وكان ذلك جليًا في أنشطتها التي هدفت إلى تصفير المشاكل وبناء المزيد من التكامل في المنطقة. وهي أدركت أنّ هذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلّا عن طريق عملية تحوّل إقليمي يتفاهم فيها الجميع على المواقف السياسية الأساسية التي تحمي مصالحهم. ويتمثّل أهم جوانب هذا التحوّل في التخلّص من العقبات والخصومات السياسية التي تعرقل الشراكات الاستراتيجية على المدى الطويل، كما وفي إعادة التوجّه الاستراتيجي لحكومة أردوغان لصنع بيئة إيجابية تتمكن فيها الأطراف الإقليمية الأربعة – تركيا وإيران ومصر والسعودية – من صنع مستقبل أمن المنطقة ككل، بالتعاون والمشاركة.“