علامات فارقة

زياد رحباني صانع الدهشة في عالم الخيبات
إعداد: د. إلهام نصر تابت

بعد مضي سنة على وفاته، تستمر المنشورات المتعلقة بزياد رحباني الفنان والإنسان في تصدّر المواضيع التي تحصد تفاعل المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، فضلًا عن كمّ هائل من البرامج والكتابات التي زخرت بها وسائل الإعلام المختلفة.

وبغضّ النظر عن نوعية ومستوى ما يُنشر حول زياد رحباني، فالثابت والأكيد أنّ غيابه أحدث صدمة عميقة في وجدان أجيال مختلفة من اللبنانيين والعرب، فهو تجاوز كونه فنانًا عبقريًا، ليشكّل حالة استثنائية يصعب أن يجود الزمن بمثلها سوى في مرات نادرة من التاريخ.

زياد الفنان الذي اجتمعت له مواهب كثيرة في الموسيقى والغناء والمسرح، صنع نتاجًا حاكى أوجاع الناس وأحلامهم، وتوقهم إلى التمرد على الواقع وخيباتهم، واستشرف في كثير من أعماله ما حدث بعد حين، وما سيظل يحدث طالما البشر بشر… لذلك، تظل أعماله اليوم وغدًا وكأنّها ابنة الراهن رغم مضي عقود على ولادتها.

فنّه هو ابن الحياة بكل تجاربها، وابن الجمالية في قمة عفويتها وأقصى قدرتها على التعبير المدهش.

في بساطة مقولاته عمق فريد ودهشة تتدفق مع كل عبارة سواء كانت جزءًا من حوار مسرحي أو إذاعي، أو من أغنية، أو حتى إجابة عن سؤال في مقابلة، وفي ذلك بعض من أسرار إبداعه. اجتمعت له مواهب فذّة قلّما تجتمع في شخص واحد، وهي برزت باكرًا جدًا، واقترنت بوعيٍ عميق وسعي حثيث للمعرفة التي لا تقتصر على ما يرتبط بالفن فقط. معرفة ميدانها الحياة بكل تلاوينها، من هنا كان يتحدّث كعالم نفس حينًا، وكعالم اجتماع أو حتى كفيلسوفٍ أو سياسي عتيق حينًا آخر…

في الحديث عن زياد الموسيقي لا نملك سوى محاولة التعبير عمّا تثيره فينا موسيقاه وكيف تسكن فينا مقطوعاته وألحانه، ولكن أي تعبير سوف يظل قاصرًا عن بلوغ مرتجاه. لأهل الاختصاص أن يحلّلوا هذه الموسيقى ويتحدثوا عن أنواعها وتراكيبها، وعن عبقرية زياد في استخدام النوتات والآلات، وسوى ذلك من أمور تخصّ المحترفين في هذا المجال. أمّا نحن، عموم الناس فحسبنا أن نستمتع بموسيقى زياد وألحانه وهي تواصل توليد الدهشة فينا، وإن كنا نستمع إليها للمرة الألف. وهنا يكمن سرّ زياد الأهم، سرّه في قدرته الفائقة على توليد الدهشة، بل إنّه يحترف صناعتها بعفوية!

تحضرني في هذا السياق إحدى أهم النظريات التي تناولت التلقّي وكيفية تفاعل المتلقّين مع الأعمال الفنّية، ومفادها أنّ مفهوم المسافة الجمالية هو المعيار الذي تُقاس به جودة العمل الأدبي أو الفنّي وقيمته، وذلك حسب مدى توافقه أو تعارضه مع ما ينتظره المتلقّي أو يتوقّعه. فكلّما اتسعت المسافة بين ما ينتظره المتلقّي وما يأتي به العمل، اتّسعت الدهشة التي يولّدها هذا العمل، واعتُبِر عملًا رفيعًا ومبدعًا.

لقد احترف زياد صناعة الدهشة، ليس فقط في مختلف أنواع إبداعاته، وإنما أيضًا في نمط حياته وخياراته. إنّه النجم الذي لم تستطع الشهرة أن تمس تواضعه وبساطته وصدقه. إنّه الفنان الذي عاش ما آمن به وما نادى به في أعماله. لم تستطع سلطة المال أن تغريه يومًا. رفض عروضًا بملايين الدولارات لأنّها لم تناسب قناعاته الفنّية. اشترط على المنتجين الذين عمل معهم أن تكون أسعار البطاقات بمتناول الجميع. عاش في شقة صغيرة بينما كُثُر ممّن يدّعون صفة الفنّ يمتلكون القصور. رفض كل أنواع التكريم… تكريمه هو في الإرث الذي صنعه وهو إرث سيستمر في وجدان الأجيال متحدثًا عن عبقرية فذّة، وعن فنان جعل من الخيبات نبعًا من الفرح.