- En
- Fr
- عربي
جنود الإنسانية
لم تتوقف تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عند حجم الدمار والخسائر البشرية التي طالت المدنيين، بل امتدت لتصيب في العمق الطواقم الطبية والإسعافية، التي يُفترض أن تتمتع بحماية كاملة بموجب القوانين الدولية. فقد وجد عناصر الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني وسواهم من فرق الإنقاذ أنفسهم في قلب الميدان، يواجهون الخطر في أثناء محاولاتهم انتشال الضحايا، وإسعاف الجرحى، وإجلاء المدنيين من المناطق المنكوبة.
ومع اتساع رقعة المواجهات، تكررت وقائع أفادت بتعرّض منشآت طبية ومراكز رعاية صحية وسيارات إسعاف لنيران مباشرة أو لغارات وقعت في محيطها، ما أدى إلى استشهاد العشرات من المسعفين والعاملين في القطاع الصحي، وخروج عدد كبير من المراكز الطبية وسيارات الإسعاف من الخدمة. هذا الواقع أثار موجة إدانات واسعة، وأعاد طرح أسئلة ملحّة حول سلامة العمل الإنساني في مناطق النزاع.
في العديد من القرى الجنوبية والبلدات الحدودية، كانت سيارات الإسعاف تصل بعد دقائق من الغارات، لتبدأ عملها وسط مشهد شديد الخطورة، حيث لم تكن بعض الفرق تعلم ما إذا كانت المنطقة قد خرجت فعلًا من دائرة الاستهداف. وقد روى مسعفون أنهم عملوا تحت أصوات الطائرات والقصف المتقطع، فيما حاولوا الوصول إلى الجرحى داخل منازل مدمّرة أو إخراج مصابين من تحت الركام.
وفي بعض الحالات، أصيبت سيارات إسعاف بأضرار نتيجة الشظايا أو القصف القريب، ما اضطر بعض الفرق إلى التراجع مؤقتًا حفاظًا على سلامة عناصرها، قبل العودة لاحقًا لإتمام المهام. كما واجهت طواقم الإنقاذ صعوبات كبيرة في الوصول إلى بعض المناطق لساعاتٍ طويلة بسبب كثافة الغارات واستهداف الطرق الرئيسية.
الخطر يهدد مراكز يحميها القانون
لم يتوقف الخطر عند خطوط المواجهة، بل طاول مراكز طبية وإسعافية إما بسبب استهدافها أو بسبب الغارات القريبة منها.
وفي الجنوب خصوصًا، عاش عناصر الدفاع المدني ظروفًا بالغة الصعوبة في أثناء محاولاتهم إخماد الحرائق الناتجة عن القصف أو انتشال الضحايا من الأبنية المدمرة. وكثيرًا ما وجدوا أنفسهم مضطرين للعودة إلى المواقع نفسها أكثر من مرة بسبب تجدّد الاستهدافات، ما جعل مهماتهم أكثر خطورة وتعقيدًا.
كما تحدثت فرق إنقاذ عن لحظات اضطر فيها المسعفون إلى مواصلة عملهم رغم إدراكهم لاحتمال تجدّد القصف، في ظل وجود جرحى تحت الأنقاض أو مدنيين بحاجة إلى إجلاء عاجل.
خسائر في الأرواح
تعرّضت الطواقم الإنسانية إلى استهدافات متكررة ما أدى إلى استشهاد العشرات وجرح عدد كبير ممن كانوا يحاولون تأدية واجبهم. ووثّقت وزارة الصحة اللبنانية عشرات حالات الاستهداف التي تعرضت لها سيارات الإسعاف وطواقم الإنقاذ في أثناء محاولتها الوصول إلى الجرحى أو انتشال الضحايا. أثارت هذه الوقائع صدمة واسعة، نظرًا لما يمثله العمل الإنساني من رمزية يفترض أن تبقى بعيدة عن الاستهداف.
كما خلّفت أثرًا نفسيًا عميقًا داخل الفرق الميدانية، خصوصًا أن العديد من المتطوعين كانوا يعملون في مناطقهم وبين عائلاتهم، ما جعل التجربة أكثر قسوة، حيث امتزج الواجب المهني بالمأساة الشخصية.
شهادات من الميدان
روى مسعفون وعناصر إنقاذ ظروف عمل شديدة القسوة خلال الحرب. بعضهم أشار إلى أنهم كانوا يخفون أضواء سيارات الإسعاف أحيانًا لتقليل خطر الاستهداف، فيما تحدّث آخرون عن نداءات استغاثة من عائلات عالقة تحت الركام، في وقت لم يكن الوصول إليها ممكنًا بسبب استمرار القصف.
كما وصف عناصر الدفاع المدني عمليات بحث وإنقاذ استمرت لساعاتٍ طويلة وسط خطر انهيار الأبنية أو تجدّد الغارات، وفي ظل إمكانات محدودة مقارنة بحجم الكارثة.
خرق القانون الدولي الإنساني
ينص القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف على ضرورة حماية الطواقم الطبية والإنسانية وسيارات الإسعاف ومنشآت الإغاثة أثناء النزاعات المسلحة، باعتبارها جهات محايدة مهمتها إنقاذ الأرواح. ويُعد أي استهداف أو عرقلة لعملها انتهاكًا خطيرًا لهذه القواعد.
وفي ضوء ما شهده لبنان، ارتفعت الدعوات إلى تعزيز حماية فرق الإسعاف والإنقاذ، وضمان عدم تعريض العاملين الإنسانيين للخطر في أثناء أداء مهامهم. كما طالبت جهات حقوقية بفتح تحقيقات في الحوادث التي طالت سيارات إسعاف أو فرق إنقاذ، وسط تحذيرات من تكرار هذه الانتهاكات في أي تصعيد مقبل.
رغم كل شيء… لم يتوقفوا
ورغم كل ما واجهوه من مخاطر، يواصل عناصر الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني عملهم بلا توقف، متنقّلين بين القرى والمستشفيات ومراكز الإيواء، في سباق يومي مع الوقت لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفي عيون اللبنانيين، تحوّل هؤلاء إلى عنوان للصمود الإنساني في وطنهم، بعدما وقفوا في الخطوط الأمامية من دون أي حماية سوى التزامهم العميق بواجبهم الإنساني، في مواجهة حرب لم تترك مكانًا آمنًا.











