صحة ووقاية

كيف يختلّ ميزان الحديد في الجسم.. ومتى يدقّ ناقوس الخطر؟…
إعداد: ليال صقر الفحل

يُعدّ الحديد من العناصر الأساسية التي لا غنى عنها لاستمرار وظائف الجسم الحيوية. فهو المكوّن الأساسي في إنتاج كريات الدم الحمراء (الهيموغلوبين) المسؤولة عن نقل الأوكسيجين من الرئتين نحو الخلايا وباقي أعضاء الجسم. إلا أنّ أهمية هذا المعدن لا تقتصر على وجوده في الدم فحسب، بل تمتد إلى ما يختزنه الجسم منه على شكل ”مخزون الحديد“ الذي يشكّل مؤشرًا مهمًا على الحالة الصحية، إذ يعكس انخفاضه أو ارتفاعه خللًا يحتاج إلى متابعة وعلاج.

فما هو مخزون الحديد، وما الأسباب التي تؤدي إلى انخفاضه لدى بعض الأشخاص؟ وهل يُعتبر نقص الحديد دليلًا حتميًا على الإصابة بفقر الدم؟

يوضح اختصاصي أمراض الدم والأورام الدكتور داني غلام أنّ مخزون الحديد أو ما يُعرف بـ «Ferritin»، هو البروتين المسؤول عن تخزين الحديد في الجسم، وإطلاقه عند الحاجة. وهو يختلف عن الحديد في الدم (Serum Iron)، فبينما يقيس فحص المخزون نسبة الحديد التي يخزّنها الجسم، يبيّن فحص الحديد في الدم نسبة الحديد الموجودة في مجرى الدم، أي غير المخزّنة.

ويُعرَف عنصر الحديد بأهميته الكبيرة في الوظائف الحيوية، إذ يدخل في تركيب بعض الإنزيمات، التي تساعد الجسم في أداء وظائفه على أكمل وجه. وهو يُشكّل عاملًا أساسيًا في صحة العضلات والأعضاء، ونخاع العظم، وتطوّر الدماغ ونموه السليم لا سيما لدى الأطفال.

 

مؤشرات نقص الحديد

يشير الدكتور غلام إلى أنّ فقر الدم هو تراجع مستوى الهيموغلوبين في الدم عن معدلاته الطبيعية، ما يؤدي إلى اضطراب في نقل الأوكسجين إلى الخلايا. وفي هذه الحالة، يُستنزف مخزون الجسم من المعدن المذكور تدريجيًا، ويتراجع مستوى تصنيع الهيموغلوبين.

ويوضح أنّ فقر الدم الناجم عن نقص الحديد، يتميّز بصِغر حجم كريات الدم الحمراء مقارنةً بالمعدل الطبيعي، لذلك يُصنَّف ضمن فقر الدم صغير الكريات، علمًا أنّه يمكن التعرّض لفقر الدم لأسبابٍ أخرى لا ترتبط بتراجع مستوى الحديد. ويضيف أنّ شحوب الوجه يُعد المؤشر الأبرز على نقص الحديد، إلا أنّ الأعراض قد تتعدد وتختلف حدتها من شخص إلى آخر، ومن أبرزها: الصداع، برودة الأطراف، تساقط الشعر، تكسُّر الأظافر، ضعف التركيز، تراجع الذاكرة، التعب الدائم، نقص الطاقة، ضيق التنفس، خفقان القلب، تشقق زوايا الفم، اعتلال المزاج، والقلق… وقد تمرّ هذه الأعراض من دون ملاحظتها إلا عندما يصبح النقص كبيرًا. لذلك، من الضروري إجراء اختبار معدل الحديد في الجسم بشكلٍ دوري.

 

المعدلات الطبيعية لمخزون الحديد

تراوح القيم الطبيعية لمخزون الحديد لدى الرجال بين 30 و300 نانوغرام/مل، ولدى النساء قبل انقطاع الطمث بين 15 و200 نانوغرام/مل، بينما ترتفع بعد انقطاع الطمث لتراوح بين 250 و400 نانوغرام/مل. أما لدى الأطفال، فتختلف القيم بحسب العمر، إلا أنّها تقع غالبًا ما بين 7 و140 نانوغرام/مل.

ويشير انخفاض مستوى مخزون الحديد المعروف بالـ «فيريتين» عن معدله الطبيعي إلى الإصابة بفقر الدم الناجم عن نقص الحديد، أو إلى وجود مشاكل صحية أخرى مرتبطة بانخفاض مستويات الحديد. وفي حال لم يخضع المريض للعلاج المناسب، يمكن أن يقود ذلك إلى مشاكل في القلب، والتهاباتٍ مختلفة، وبطء النمو وتطور الدماغ عند الأطفال.

في المقابل، يدلّ ارتفاع مستوى مخزون الحديد، على أنّ الجسم خزّن مستوى مبالغًا فيه من معدن الحديد، ما يمكن أن يؤدي إلى مشاكل صحية مختلفة من بينها: أمراض الكبد، داء ترسّب الأصبغة الدموية، وفرط نشاط الغدة الدرقية.

ويؤكد الدكتور غلام أنّه رغم قدرة الجسم على تخزين الحديد إلى حدٍ ما، فإنّه بحاجةٍ إلى تعويضه باستمرار، إذ يحتاج البالغون إلى امتصاص كمية صغيرة من الحديد بشكل يومي للحفاظ على صحتهم (نحو1 ملغ للرجال و1.5 ملغ للنساء). ويوضح أنّ المرء يحتاج إلى استهلاك أضعاف الكميات التي يحصل عليها من الطعام، لأنّ الجسم لا يمتص إلا جزءًا ضئيلًا من الحديد الموجود فيه.

وتشير دراساتٌ حديثة إلى أنّ نقص مخزون الحديد قد يقود إلى الخرف مع التقدم في العمر، كما يقلّل من قدرة الدماغ على مقاومة المرض ويزيد من خطر الإصابة به، ويسرّع ظهور أعراضه. إلى ذلك، يؤثّر نقص المخزون سلبًا على جهاز المناعة وبناء العضلات وتكوّن الهرمونات وأيض الطاقة، نظرًا إلى أنه يؤدي دورًا مهمًا في بناء الهيموغلوبين المسؤول عن نقل الأوكسجين في الخلايا.

 

الأكثر عرضة للإصابة

يشدّد غلام على أنّ الخطوة الأولى في علاج نقص الحديد هي معرفة أسبابه، ومن بينها نقص الحديد في النظام الغذائي، وفي هذه الحالة يترتب على المريض التركيز على اتباع نظام غذائي غني بالحديد من مصادر حيوانية ونباتية. ومن الأسباب الأخرى: حالات النزف ومن بينها الحيض الغزير، قرحة المعدة، البواسير، الالتهابات المعوية المزمنة مثل مرض كرون، تجدد البشرة والأغشية، وسوء امتصاص هذا المعدن عند المصابين بحساسية الغلوتين أو مرض السيلياك (حساسية القمح)…

وتُعدّ النساء من الفئات الأكثر عرضةً لنقص الحديد نتيجة فقدان الدم خلال الدورة الشهرية، وارتفاع احتياجات الجسم منه خلال الحمل والرضاعة. كما يشيع هذا النقص لدى الرياضيين، إذ تفقد أجسامهم الحديد بسبب الجهد البدني والتعرّق. ويتعرض له أيضًا المصابون بأمراضٍ معوية مزمنة، كنزيف المعدة الخفيف الناتج عن أمراض كالقرحة والأورام المعوية الحميدة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى النباتيين لأنّ أجسامهم لا تمتص الحديد من المصادر النباتية بالقدر الذي تتيحه المصادر الحيوانية. أمّا الأطفال، فيحتاجون في أولى مراحل حياتهم إلى نسبةٍ كافية من الحديد، ولا سيما من وُلد منهم قبل أوانه. ويمكن الحدّ من خطر النقص لدى الرضّع من خلال الاعتماد على الحليب المدعّم بالحديد عند الحاجة.

 

تعويض نقص الحديد

يوضح الدكتور غلام أنّ الأمعاء لا تمتص أكثر من %10 من الحديد الموجود في الأغذية، لذلك يحتاج الجسم إلى استهلاك ما بين 10 إلى 15 ملغ إضافي يوميًا لضمان تلبية احتياجاته، وتختلف هذه الاحتياجات وفق الجنس والعمر.

ومن جهة ثانية، فإن معالجة نقص الحديد تتطلب مقاربة متكاملة ترتكز على تصحيح العادات الغذائية، واستخدام مكملات الحديد عند الحاجة، ومعالجة الأسباب الكامنة وراء النقص. وفي الحالات البسيطة، قد تسهم التعديلات الغذائية في تحسين مستويات الحديد بشكلٍ ملحوظ، إلا أنّها غالبًا ما تُعتمد بالتوازي مع المكملات الغذائية لضمان إعادة بناء المخزون وتعويض النقص بصورةٍ أكثر فعالية.

ويعدّد الدكتور غلام أبرز المصادر الغنية بالحديد مشيرًا إلى أنّها تشمل: اللحوم الحمراء، الدواجن، الأسماك، الخضروات ذات الأوراق الخضراء الداكنة (كالسبانخ والملوخية)، الحبوب الكاملة، الشوكولاتة الداكنة، كبد الحيوانات، البقوليات (كالفول، العدس، والحمص)، الحبوب المدعمة بالحديد، الفاكهة المجفّفة (المشمش، التين، الخوخ، الزبيب، الكرانبيري، التمر…) والمكسرات (الفستق، الكاجو، اللوز، الجوز، السمسم، بذور دوار الشمس والقرع…).

ويُفضّل تناول هذه الأطعمة مع مصادر غنية بالفيتامين C مثل الفواكه الحمضية، لأنها تُعزّز امتصاص الجسم للحديد. في المقابل، يحدّ شرب المنبهات كالشاي والقهوة بكمياتٍ كبيرة من امتصاص الحديد في الأمعاء. كما ينصح الاختصاصيون بعدم تناول الأطعمة الغنية بالكالسيوم كالحليب والأجبان والألبان، أو أدوية مضادات الحموضة بالتزامن مع وجبات الطعام الغنية بالحديد، كونها تقلّل من امتصاصه.

 

مكملات الحديد… متى تصبح ضرورية؟

يوصي الدكتور غلام باللجوء إلى مكملات الحديد عندما لا تكفي التعديلات الغذائية وحدها لتعويض النقص. وتتوافر هذه المكملات بأشكالٍ متعددة من بينها المكملات الفموية، وتعتبر الشكل الأكثر شيوعًا لمكملات الحديد، وتُعطى على شكل حبوب أو كبسولات أو شراب، وتستغرق عادةً فترة ستة أشهر أو أكثر قليلًا لتعويض مخزون الحديد في الجسم بشكلٍ كامل.

هناك أيضًا، حقن الحديد بالوريد، التي تُستخدم في حالات نقص الحديد الشديد، أو عندما تكون المكملات غير فعالة، وتمتاز بسرعة مفعولها، لكنها قد تترافق مع آثار جانبية تشمل الحساسية أو انخفاض ضغط الدم والصداع. وتعتمد مدة العلاج بحقن الحديد على شدة النقص وذلك وفق تقدير الطبيب المعالج، علمًا أنّ بعض حالات النقص الشديد جدًا، قد تستدعي نقل الدم.

 

أفضل طريقة لتناول مكملات الحديد

يُنصح بتناول مكملات الحديد على معدة فارغة لتحسين الامتصاص، إلّا أنّه يمكن تناولها مع الطعام إذا تسببت باضطرابات في المعدة. ومن الآثار الجانبية المحتملة للمكملات الفموية: الإمساك، الإحساس بطعم معدني مزعج في الفم، الغثيان، حرقة المعدة، والإسهال… وغالبًا ما تكون هذه الأعراض خفيفة، وتختفي مع الوقت أو بتغيير نوع المكمّل. أما حقن الحديد فمن آثارها الجانبية: هبوط ضغط الدم، آلام المفاصل، الصداع، الشعور بطعم معدني في الفم، قيء، طفح جلدي، وإسهال…

يبقى مخزون الحديد أحد المؤشرات الأساسية على صحة الجسم وسلامة وظائفه الحيوية. لذلك، فإن تجاهل أعراض التعب المزمن أو ضعف التركيز أو الشحوب قد يؤخر تشخيص مشكلة قابلة للعلاج. ويُعدّ اتباع نظام غذائي متوازن، وإجراء الفحوصات الدورية، والتزام العلاج الموصوف طبيًا، خطواتٍ ضرورية للحفاظ على توازن الحديد والوقاية من المضاعفات الصحية التي قد تنتج عن اختلاله.