لبنان الحضارة

لبنان في قلب اليونسكو رعاية وحماية لهويته التراثية
إعداد: د. هيام كيروز

في 16 تشرين الثاني 1945، أبصرت منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) النور في العاصمة البريطانية. وتصدّرت ميثاقها التأسيسي عبارة شهيرة هي ”لأنّ الحروب تبدأ من عقول البشر، ينبغي أن تُبنى في عقول البشر أيضًا حصون السلام“. وكم تنطبق هذه المقولة على الحالة اللبنانية حيث الحروب لا تتوقّف عن تدمير البشر والحجر. وقد بادرت منظمة اليونسكو منذ عشرات السنين إلى إدراج العديد من آثار لبنان ومواقعه التراثية على لائحة التراث العالمي (صور، بعلبك، جبيل، ووادي قنّوبين على سبيل المثال لا الحصر). ثم بادرت في زمن النار والدم إلى وضع أكثر من 70 موقعًا أثريًا لبنانيًا تحت الحماية المعززة لإنقاذها ودرء أوزار المواجهات عنها.

كان ذلك للمرة الأولى في العام 2024. ثم تكرر الأمر في العام الجاري مع إدراج 39 موقعًا أثريًّا تحت مظلّة اليونسكو. إنّها، من دون شك، الحظوة اللبنانية في رحاب بيت ثقافات العالم في باريس. فهذا البلد الصغير بجغرافيته كبيرٌ في كنوزه الحضارية وتعدّديته الثقافية. وكما يقول رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق دومينيك دو فلبان «إنّ ماضيه لا يمضي، وعمقه يدور في الأعماق لأنّه في آنٍ يمامة وغمامة محمّلة بالغيث الجمالي، ويقرأ لغة البشرية الواحدة عبر أطوارها ومراحل تحوّلاتها بلغاتٍ عدة». أما مندوب لبنان الأسبق لدى اليونسكو، الشاعر صلاح ستيتيّه، فأكّد أنّ «لبنان بلد كوزموبوليتي (كوني)، حيث الكلمة ملكة في واقعها التعدّدي. إنّه بلدٌ صغير ذو قصة فريدة ويملك تاريخًا أكبر منه…». هذا التاريخ المُوَشّى بذهب الحضارات والثقافات، هو ما تلتزم اليونسكو حمايته.

 

الحضور اللبناني في منظمة اليونسكو

في أول أربعاء من شهر نيسان الماضي، انعقدت فعاليات اجتماع استثنائي في منظمة اليونسكو في باريس، حضرتها عشرات الوفود المعتمدة لدى هذه المنظمة الدولية التي تُعنى بالتربية والعلم والثقافة، إذ تتشكّل من 195 دولة، ومقرّها الرئيسي في العاصمة الفرنسية، وقد عُقد الاجتماع بناءً على طلب من الوفد الدائم اللبناني الذي ترأسه السفيرة هند درويش. التأَمَ اللقاء تحت عنوان «الاجتماع الخامس للجنة حماية التراث في حالة النزاع المسلّح». وقد نشطت حركة «لوبي» لبناني في أرجاء المنظمة الدولية، تدعمها تزكية فرنسية من خلال وزارة الخارجية، والمندوبية الفرنسية الدائمة، فضلًا عن مباركة المدير العام لليونسكو، المصري خالد العناني، ومن بيروت شارك المدير العام للآثار سركيس خوري، والخبير المهندس جاد تابت الذي ساهم في تحضير الملفّات، والعمل على دعم الدول الأعضاء في لجنة بروتوكول لاهاي، من جهة بصفته مستشارًا لوزير الثقافة، ومن جهة ثانية كخبيرٍ يمثل لبنان في هيئة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ العام 2001.

الحركة اقترنت بالبركة وأسفرت عن إدراج 39 موقعًا أثريًّا تحت «الحماية المعزّزة» القانونية والسياسية الدولية لمنظمة اليونسكو.

ويعلّق تابت على الحدث قائلًا: «يحتل لبنان في منظمة اليونسكو موقعًا مميّزًا على الرغم من حجمه المتواضع وقدراته المحدودة. وانتُخِب لبنان مرارًا كعضوٍ في المكتب التنفيذي لليونسكو، وفي هيئة التراث العالمي وفي العديد من اللجان المتخصّصة. كما أنّ لبنان قد سجّل ستة مواقع على لائحة التراث العالمي، هي عنجر، بعلبك، وجبيل، ووادي قاديشا، وغابة أرز الرب، وصور. وهي من أعلى النسب في العالم قياسًا لمساحة أرضه، ويعود ذلك إلى البعد التاريخي الغني جدًّا الذي يتمتّع به وطننا وكثافة المواقع التراثية التي تمثّل تعاقب الحضارات المختلفة على أرضنا».

يُضاف إلى ما سبق ذكره أن «معرض طرابلس الدولي» (معرض رشيد كرامي)، وهو من أبرز أعمال المعماري البرازيلي أوسكار نيماير في الشرق الأوسط، أُدرج على لائحة التراث العالمي المهدّد بالخطر (كانون الثاني 2023)، بمبادرة ومتابعة حثيثة من تابت.

 

أهمّ المواقع التراثية والأثرية المشمولة بالحماية، وتوزيعها الجغرافي ورمزيتها

منذ سنين عديدة والمواقع الأثرية والتراثية في لبنان، في خطّ خطر تصاعدي تاريخي مستمر. لكنها تشهد راهنًا واحدًا من أكثر الفصول خطورة في عصف الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ شهر آذار الماضي، ما يهدّد معالم حضارات غابرة بالاندثار، ويهرق التاريخ الذي يعانق الأعمدة، ويتّخذ من كل حجر سريرًا، ومن القبب المزخرفة صكّ الأبدية. وقد سبق للبنان أن تقدّم خلال حرب خريف العام 2024 بطلب تسجيل 34 موقعًا على لائحة الحماية «المعزّزة» بما فيها بعلبك، وجبيل، وصور، وعنجر، وعدد من المواقع الأخرى. وأسهم الجيش اللبناني حينها في هذا الإنجاز من خلال تحضير نموذج يتضمّن الإطار القانوني الدولي الذي يجب الاستناد إليه، وتوقيعه الملزم إرفاقه بالطلب بأنّ المواقع غير مشغولة بقوى عسكرية، كما أنّها لا تُستخدم لأغراضٍ عسكرية. وفي شهر آذار من العام الحالي، تقدّم لبنان من منظمة اليونسكو بلائحة تضم 39 موقعًا إضافيًّا، ما جعل عدد المواقع التي سجلها لبنان 73 موقعًا «وهو أعلى عدد على الإطلاق مقارنة مع جميع الدول في العالم، مما يضع القسم الأكبر من مواقعنا التراثية تحت حماية الأسرة الدولية» وفق الخبير جاد تابت.

وتتوزّع المواقع الأثرية بين الساحل والداخل والجبل، ما يجعلها نموذجًا فريدًا لتراكم حضاري متواصل عبر السنين. وتشمل الحماية كل طبقاته التاريخية: الفينيقية، والرومانية، والبيزنطية، والمملوكية والعثمانية. أي أنّ سردية تاريخ كامل باتت تحت حماية دولية، وتتمحور حول:

– أهمية فينيقية ورومانية: بعلبك، صور، الشقيف، مواقع في صيدا.

– مزيج روماني وعثماني وتراث عمراني: جبيل (من أقدم المدن المأهولة في العالم)، فقرا، دير القمر.

– ثقل ديني وتاريخ مملوكي وصليبي: طرابلس القديمة، دير مار يوحنا في بيت مري، دير سيدة القلعة في عكار، سراي حاصبيا الشهابي.

– مراكز تاريخية ومدن قديمة: صيدا القديمة (متحف الصابون، خان الإفرنج، حمام الورد)، ونصب أحيرام في حناوية (صور) وهو ناووس حجري ضخم من العصر الفارسي.

– كثافة مواقع رومانية ومعابد: نيحا، صيدا (معبد أشمون)، هرم الهرمل، معبد دير العشاير، عنجر (مدينة أموية مخطّطة بشكل نادر).

– مواقع دينية وتراث روحي: وادي قاديشا، دير مار أنطونيوس قزحيا، مقام سيدة لبنان – حريصا، الجامع العمري الكبير – صيدا، مجمّع الجامع المنصوري ومسجد البرطاسي – طرابلس، كنيسة القديس نيقولاوس – الأشرفية.

– مواقع متفرقة: وسط بيروت الأثري (بسبب الدمار والتحديث العمراني)، متحف ومركز بيروت، المكتبة الوطنية.

يعكس هذا التنوّع الجغرافي والتاريخي موقع لبنان كملتقى حضارات مشعّة تجاوزت الزمن مرة تلو الأخرى، وما زالت تحتفظ بخصائص استثنائية، وبأهمية ميثولوجية، مما يمنحها أهمية عالية على مستوى التراث الإنساني، ويؤكّد على دلالات الحماية الدولية المعزّزة لها.

 

الإطار القانوني للحماية

لا يقتصر الإرث التاريخي والثقافي للبنان على كونه سجلًّا للماضي، بل يشكّل فضاءً حيًّا تتقاطع فيه الذاكرة مع الهوية. غير أنّ هذا الإرث، على غناه وتنوّعه، يواجه تحديات متزايدة مرتبطة بتزايد المخاطر الأمنية الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية، ما أعاد طرح مسألة حمايته من زاوية تتجاوز البعد الأثري إلى البعد القانوني.

في هذا السياق يبرز دور اليونسكو واتفاقية لاهاي للعام 1954 والبروتوكولات الملحقة بها، لا سيما البروتوكول الثاني للعام 1999 كإطارٍ مرجعي لحماية الممتلكات الثقافية في أثناء النزاعات المسلحة، وصولًا إلى استخدام نظام «الحماية المعزّزة» الذي يفترض توفير مستوى أعلى من الضمانات للمواقع ذات القيمة الاستثنائية البارزة. تُلزم هذه الاتفاقيات الدول بـــ :

– الامتناع عن استهداف المواقع الثقافية والتراثية داخل أراضي الدول وخارجها.

– عدم استخدامها لأغراضٍ عسكرية قد يعرّضها للتدمير.

– اتخاذ تدابير وقائية خلال السلم من خلال إعداد خطط لحماية الممتلكات مسبقًا.

– تدريب القوات المسلحة على احترامها.

– وأهم ما نصّ عليه البروتوكول الأول 1954:

– حظر تصدير الممتلكات الثقافية من الأراضي المحتلة.

– إلزام الدولة المحتلة بإعادة الممتلكات التي تمّ نقلها.

– حظر الاحتفاظ بها كتعويض حرب.

باختصار منع النهب والتهريب.

من أهم مميزات البروتوكول الثاني للعام 1999 – «الحماية المعزّزة»: «إنّ أي اعتداء على المواقع المدرجة تحت هذه الحماية يُعتبر جريمة حرب». ويرافق هذا القرار دعم مالي وتقني من اليونسكو يشمل:

تمويل طارئ لحماية المواقع.

مراقبة بالأقمار الصناعية.

تدريب الكوادر الثقافية والعسكرية.

تعزيز خطط إدارة المخاطر.

تحميل الأفراد، وليس الدول فقط، المسؤولية عن الانتهاكات.

تمهيد لملاحقات قضائية دولية.

اعتماد رمز خاص هو «الدرع الأزرق» لتمييز الممتلكات المحميّة، ويتم تطبيق هذا البند عبر وزارة الثقافة في الدولة المعنية، والمديرية العامة للآثار، وأحيانًا مع منظمة اليونسكو.

إنشاء لجنة دولية للإشراف على تنفيذ الاتفاقية.

وعمّا إذا كان هناك ثقافة صَون الآثار في لبنان، وتأمين ملاذات آمنة لها، يقول الخبير جاد تابت «إنّ ثقافة صَون الآثار متطورة في لبنان إلى حدّ كبير، إذ تمّت حماية المتحف الوطني خلال سنوات الحرب الأهلية عبر نقل بعض القطع الأثرية إلى مواقع آمنة، وحماية القطع الكبيرة في مكعبات من الباطون المسلّح. وقامت المديرية العامة للآثار مؤخرًا بتجهيز المستودعات الآمنة في جبيل وبيروت لنقل القطع الأثرية في حال تعرّضها للخطر وذلك بمساعدة منظمة اليونسكو ومنظمة «أليف».

وفي هذا المجال قام فوج الأشغال المستقل في الجيش اللبناني في العام 2024 بنقل القطع الأثرية الفريدة من متحفَي صيدا وصور إلى أماكن آمنة بالتنسيق مع المديرية العامة للآثار.

 

الدرع الأزرق حماية؟

كثيرًا ما تطرح ترجمة اتفاقية لاهاي وبروتوكولها الثاني إشكاليات تتعلق بآليات التطبيق، وتثير أسئلة حول حدود الانتقال من النصّ القانوني إلى الواقع الميداني، خصوصًا في ما يتعلّق بإظهار شارة «الدرع الأزرق» الذي تقوم وظيفته الرمزية – المرئية، على تذكير أطراف النزاع بأنّ الموقع محمي بموجب القانون الدولي، لكن هذه الوظيفة قد تتحوّل في بعض السياقات إلى عنصر نقاش حول دلالاتها وحدود استخدامها. تجلّى ذلك بوضوح في الحالة المرتبطة بقلعة بعلبك حيث تداخل البعد القانوني مع الاعتبارات المحلية.

لكن السؤال الأهم الذي يُطرح حاليًا هو حول مدى التزام «إسرائيل» موجبات الحماية المعززة للمواقع الأثرية اللبنانية، فيما تعمل أسلحتها وجرّافاتها على تدمير ومسح بلدات وقرى بأكملها في المنطقة الحدودية.