- En
- Fr
- عربي
عالم اليوم
لا يمكن للعِلم في لبنان أن يُعد ترفًا فكريًا أو قطاعًا ثانويًا، بل هو بتروله وثروته الفعلية، لا سيما في ظل الأزمات المتلاحقة التي تضرب مختلف القطاعات. من هنا، تبرز الحاجة الضرورية والملحّة إلى إدخال تعديلات جذرية على المناهج التربوية وخصوصًا الجامعية منها، بما يواكب التسارع المتنامي في تقنيات الذكاء الاصطناعي، كي تصبح الأدمغة التي يصدّرها لبنان إلى الخارج، جاهزة وحاضرة لإنتاج تطبيقات هذا الذكاء محليًا وتصديرها إلى العالم.
تُظهر دراسات حديثة أُجريت مؤخرًا، حجم التنافس المتصاعد بين الدول في مجال الذكاء الاصطناعي، ومدى استعدادها لتطوير هذه التقنيات واعتمادها وتوسيع نطاق استخدامها، في مؤشرٍ واضح إلى أنّ الذكاء الاصطناعي بات أحد الأعمدة الأساسية للنمو والابتكار والنفوذ الجيوسياسي في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، يُطرح السؤال على المعنيين في وزارة التربية، والأكاديميين، وخبراء الذكاء الاصطناعي حول مخاطر الإبقاء على مناهج جامعية تقليدية قد تؤدي إلى خسارة الجامعات لدورها الأكاديمي، وتؤثّر سلبًا على موقع لبنان كبلدٍ قادرٍ على إنتاج تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنافسة بها عالميًا.
يوضح الأستاذ الجامعي ومستشار وزارة التربية لشؤون التعليم العالي، الدكتور عدنان الأمين، أنّ المركز التربوي للبحوث والإنماء يعمل منذ نحو سنتين على تعديل مناهج التعليم العام وتطوير المناهج بالكفايات، بهدف تزويد طلاب المدارس في مختلف المراحل التعليمية وصولًا إلى المرحلة الثانوية، نواتج تعليمية أساسية كالإبداع، والابتكار، والتفكير النقدي واكتساب الكفايات والمهارات، إضافةً إلى ترسيخ مفاهيم المواطنة، وثقافة القانون، والتزام قضايا المجتمع، فضلًا عن تعلّم كيفية استخدام تكنولوجيا المعلومات (IT).
ويؤكد أنّ المناهج الجديدة ستصدر خلال أشهرٍ قليلة، مشيرًا إلى أنّ وزارة التربية والتعليم العالي في طور وضع اللمسات الأخيرة عليها، بما يضمن تناسق المواد في الصف الواحد وفي المادة الواحدة، إضافةً إلى تحقيق انسجام أفقي وعمودي في المحتوى التعليمي.
التعديلات والقوانين
أما في ما يتعلّق بتعديل المناهج الجامعية في ظل تنامي الذكاء الاصطناعي (AI)، فيوضح الدكتور الأمين أنّ التعديل يتمّ على همّة كل جامعة على حدة، بحيث تُرفع برامج التعديل إلى وزارة التربية والتعليم العالي، وتقوم اللجنة الأكاديمية الفنية بتحويل الطلبات إلى لجنة متخصصة تتولى دراستها، وزيارة الجامعة المعنية، ومن ثمّ رفع توصيتها بالقبول أو الرفض إلى مجلس التعليم العالي، استنادًا إلى قواعد التعديل والمواصفات والمعايير والقوانين الأكاديمية والأنظمة مرعية الإجراء، سواء لناحية التخصصات التكنولوجية، أو العلاقة مع الطلاب، أو آليات تسيير الشؤون الإدارية بما يتماشى مع متطلبات العصر. ولفت في هذا الصدد إلى تخلّف بعض الجامعات التي ما زالت تسيّر أمورها الإدارية شفهيًا، ما يُعتبر عائقًا أمام التطوير الأكاديمي والمؤسساتي.
في هذا السياق، أوضح الدكتور الأمين أنّه لا يوجد تمييز في قبول أو رفض طلبات تعديل المناهج، مؤكدًا أنّ الوزارة لا ترفض هذه الطلبات، لكنها قد تتأخر في البتّ بها، نظرًا إلى أنّ اللجنة الأكاديمية تجتمع مرة كل أسبوعين فقط. كما أشار إلى أنّ للجامعة اللبنانية نظامها الخاص في ما يتعلّق بتعديل المناهج أو تطويرها، وهو مرتبط بالإدارة المركزية.
ورأى الدكتور الأمين أنّ مسؤولية تطوير المناهج الجامعية تقع بالدرجة الأولى على عاتق إدارات الجامعات نفسها، لافتًا إلى تفاوت القدرات بين هذه المؤسسات التعليمية، ولا سيّما لناحية توافر مختبرات تكنولوجيا المعلومات (IT). كما أشار إلى صعوبة تحوّل لبنان إلى بلد منتج لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، في ظل رداءة البنية التحتية التكنولوجية وبطء شبكة الإنترنت.
ثورات متتالية
بدوره، رأى عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا (AUST) الدكتور أنطوان حرفوش، المتخصص في الذكاء الاصطناعي، أنّ البشرية تعيش واحدة من أهم المراحل في تاريخها، في ظل الثورة التكنولوجية والاقتصادية المتسارعة. وأوضح أنّ العالم شهد خمس ثورات كبرى: الأولى قامت على الثورة الصناعية، والثانية على اختراع الطاقة الكهربائية، فيما اعتمدت الثالثة على التكنولوجيا وأجهزة الكومبيوتر. أمّا الثورة الرابعة فتمحورت حول الإنترنت والبيانات الضخمة، في حين تقوم الثورة الخامسة اليوم على الذكاء الاصطناعي (AI) وتطبيقاته.
ولفت حرفوش إلى التناقص الملحوظ في عدد السنوات الفاصلة بين الثورتين الرابعة والخامسة، والتي لم تتجاوز العقد الواحد، ما يعكس سرعة التحوّل غير المسبوقة.
وبقراءة متأنية لهذا المسار، خلص حرفوش إلى درسين أساسيين: الأول، أنّ الثورتين الأخيرتين ترتكزان مباشرةً على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي AI، والثاني، أنّ كل ثورة تفرز رابحين وخاسرين، تبعًا لقدرة الدول على الاستثمار المبكر في التعليم والتكنولوجيا.
وأشار إلى أنّ دولًا كبرى تصدّرت المشهد في كل مرحلة تاريخية، قبل أن تستعيد الولايات المتحدة ريادتها في عصر الكومبيوتر والإنترنت عبر شركات عملاقة مثل: «غوغل» Google، «أبل» Apple، «فيسبوك» Facebook، «أمازون» Amazon، «ميكروسوفت» Microsoft…
وأكد الدكتور حرفوش أنّ هوية الرابح في الثورة الخامسة القائمة على الذكاء الاصطناعي لم تتضح بعد بشكلٍ نهائي، إلا أنّ المؤشرات كافة تدلّ على أنّ الصين مرشّحة لتكون الرابح الأكبر في هذا السباق العالمي.
منهاج الرياضيات اللبناني الأقوى
وفي السياق، اعتبر الدكتور حرفوش أنّ الخاسر الأكبر في الثورة الخامسة هو لبنان، لعدة اعتبارات في مقدّمها عدم تعديل المناهج التربوية العامة والجامعية التي وُضِعت منذ العام 1980. وأكدّ أنّ الفرصة الذهبية ما زالت متاحة أمام لبنان اليوم، إذ إنّ تعديل المناهج من شأنه تجهيز «الأدمغة» التي يمتلكها البلد، كي تصبح من كبار الأدمغة في مجال الذكاء الاصطناعي AI، ولا سيّما أنّ منهاج الرياضيات اللبناني، يُعتبر، بحسب توصيفه، الأقوى بين مختلف دول العالم مقارنةً بمناهج دول كبرى مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا.
وأضاف حرفوش: إنّ المشكلة في لبنان تكمن أيضًا في غياب التعاون بين الوزارات المعنية ولا سيّما وزارات التربية، والاتصالات، والجهات المعنية بالذكاء الاصطناعي، بما يخدم مستقبل لبنان في هذا المجال. كما أشار إلى ضعف البنية التحتية لشبكة الإنترنت، الأمر الذي يعيق مهمة الأستاذ الجامعي في إدخال منهاج AI أو حتى فتح أحد تطبيقاته داخل الصفوف.
ولفت إلى أنّ بعض الجامعات الكبيرة تعدّل مناهجها من دون موافقة وزارة التربية، معتبرًا أنّ حلّ هذه المعضلة يكمن في كسر الاحتكار، وتعزيز التعاون بين الجامعات بمختلف أحجامها وتصنيفاتها، وعدم إلغاء دور أيّ منها أو إقصائها، لما يسببه ذلك من فجوةٍ أكاديمية كبيرة.
ودعا أخيرًا إلى ضرورة التعاون الوثيق بين جميع الوزارات المعنية في هذا المجال، مؤكدًا أنّ تحقيق هذه الرؤية، يتيح للبنان تعديل مناهجه الجامعية، وإنتاج تطبيقات ذكاء اصطناعي مبتكرة ومبدعة. وأشار إلى أنّ الذكاء الاصطناعي شعبوي وديموقراطي، ممّا يعني أنّ للجميع الحق في دخول هذه الثورة الإبداعية المفتوحة Open Innovation.
وفي خلاصة مقاربته، شدّد على أنّ الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه بقوة على مفاصل الحياة في العالم ويتنامى بسرعةٍ تتأقلم معها الأجيال الجديدة، ما يجعل الهروب إلى الأمام مستحيلًا، ويفرض مواجهة هذه الطفرة التكنولوجية الذكية بكل جرأة ومثابرة للاستفادة منها بكل الوسائل المتاحة.
منصّة للتعويض
من جهتها، أشارت الأستاذة الجامعية والخبيرة في الذكاء الاصطناعي AI، الدكتورة سالي حمود إلى تغيّر عمل أدمغة الأجيال القادمة Generation Alpha على نحو يستند إلى الرقمنة في أسلوب العيش اجتماعيًا وأكاديميًا وفي طريقة التواصل مع الآخر، مشدّدةً على ضرورة أن تغيّر المؤسسات الأكاديمية مناهجها التربوية وكذلك أساليب عمل أساتذتها وموظفيها، كي تتماشى مع عصر الذكاء الاصطناعي AI، إضافةً إلى دور الأهل في هذا التحوّل.
وأكّدت الدكتورة حمود أهمية أن يقدّم الأستاذ اليوم المعلومة للطالب ضمن السياق الذي يفهمه. وأشارت إلى أنّه في حال تمّ تعديل المناهج الأكاديمية، فإنّ الجامعة اللبنانية والمدرسة الرسمية ستكونان أوّل المتضرّرين، بسبب غياب «رفاهية» استكشاف الذكاء الاصطناعي (AI)، إضافة إلى أنّ المواد التي تُدرّس حاليًا لا تتناسب وهذه الطفرة التكنولوجية وهي خارج مسار التحوّل الرقمي.
وتحدثت الدكتورة حمود عن تجربتها في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال منصّة AI START التي انطلقت في العام 2025 وتهدف إلى التعويض على الطلاب عن غياب تعديل المناهج، إذ تُقدم حزمًا تربوية لتلامذة المدارس في مختلف المراحل ولطلاب الجامعات، تتضمن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي AI، وكيفية استخدامه، إضافة إلى حلقات نقاشية، وأنشطة تفاعلية أخرى.
في المحصّلة، لا يبدو الجدل حول تعديل المناهج في لبنان نقاشًا تربويًا تقنيًا فحسب، بل خيارًا مصيريًا يحدّد موقع البلد في خريطة العالم الرقمي الجديد. فبين مناهج جامدة، وبنى تحتية هشّة، وتخبّط إداري، تتآكل فرص لبنان في التحوّل إلى بلد منتج للمعرفة والتكنولوجيا. وفي المقابل، يفتح تحديث المناهج، وتكامل السياسات التعليمية والتكنولوجية، نافذة واقعية أمام استثمار الثروة الوحيدة التي لا تنضب: العقل اللبناني. فإمّا اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي، أو الاكتفاء بدور المتفرّج في واحدة من أخطر ثورات العصر وأسرعها.
”تُظهر دراسات حديثة أُجريت مؤخرًا، حجم التنافس المتصاعد بين الدول في مجال الذكاء الاصطناعي، ومدى استعدادها لتطوير هذه التقنيات واعتمادها وتوسيع نطاق استخدامها، في مؤشرٍ واضح إلى أنّ الذكاء الاصطناعي بات أحد الأعمدة الأساسية للنمو والابتكار والنفوذ الجيوسياسي في المرحلة المقبلة.“











