- En
- Fr
- عربي
قضايا إقليمية
يقول الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، وفق مجلة «نيوزويك»: «إنّ الولايات المتحدة هي الدولة الأكثر نزوعًا إلى الحرب في تاريخ العالم». وهي من أجل الحفاظ على مصالحها وتعزيز مكانتها، لجأت إلى مختلف الوسائل، من التغطية على «التطورات السلمية»، والتحريض على «الثورات الملونة»، وصولًا إلى التدخل المباشر في دول أخرى. ويضيف أنّ الشعب الأميركي، كان يفخر بأن يرى قوة أميركا ونفوذها، يُستخدمان لحفظ سلام الأميركيين وسلام الآخرين، وتعزيز العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ورفع شعار الحرية وحقوق الإنسان، وحماية البيئة، وتخفيف المعاناة البشرية، وتدعيم حكم القانون، والتعاون مع الشعوب الأخرى من أجل الوصول إلى هذه الغايات.إنّّ سلوك الرئيس ترامب، في ولايته الثانية الحالية، وتغريداته وأساليبه الناعمة في التحريض على العنف، باتت هي الأدوات المستخدمة للاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من القوة والسلطة والتأثير، تحت شعار «لنجعل الولايات المتحدة عظيمة مجددًا»، وذلك باعتماد سياسة براغماتية لا تؤمن إلّا بمنطق المصلحة، وتتغير وفق منطق السوق. لذلك يتعامل الرئيس ترامب مع القيم الإنسانية من زاوية قومية صارمة: فهو يقدّم مصلحة أميركا أولًا على أي اعتبارات دولية، ويرى أنّ الالتزامات الإنسانية، كقضايا اللاجئين، والمساعدات الخارجية، والاتفاقيات الدولية، يجب أن تخدم الأمن والاقتصاد الأميركيين حصرًا.
مزيد من الضغوط
من ناحية أخرى يتناغم ترامب مع نتنياهو في سعيه إلى فرض نظام أمني جديد في المنطقة، وهو ما يعني مزيدًا من الضغوط على البيئة الاستراتيجية المحيطة بفلسطين المحتلة، للاستجابة للمعايير الإسرائيلية في التعامل مع شعوبها. ومن هذا المنطلق، بات مستقبل الإنسانية على المحك، في ظل التصاعد المأساوي لوقائع الإبادة الجماعية، والنزعة المتزايدة إلى تجريد الإنسان من إنسانيته وقيَمه الأساسية النبيلة، لمصلحة صراعات جيوسياسية واقتصادية ضيقة. وفي هذا السياق يقول الدكتور ديفيد شولتز، من جامعة هاملين، إنّ ترامب يُحوّل الولايات المتحدة إلى ديموقراطية شعبوية أو ديموقراطية غير ليبرالية مرةً أخرى، منبّهًا إلى أنّ أميركا استغرقت أكثر من 200 سنة لتتطور إلى ديموقراطية دستورية تحكمها الأغلبية مع احترام حقوق الأقليات.
أميركا ما بعد العام 2001
تُظهر حروب الولايات المتحدة و«إسرائيل»، منذ هجمات أيلول في العام 2001 وحتى اليوم، في ما يسمى مناطق «المشاكل المتقيّحة» في الشرق الأوسط، هَوْل الكلفة المادية والإنسانية لهذه الحروب، إذ تجاوزت التريليونات من الدولارات، مع ملايين الضحايا من المدنيين والعسكريين. كما شملت آثارها النزوح، وتدمير البنى التحتية، وأزمات صحية ونفسية عميقة، وتغييرات اجتماعية طويلة الأمد، فضلًا عن تزايد الانتقادات لدوافع هذه الحروب وتأثيرها في الاستقرار العالمي، والمساعدات التنموية الإنسانية. ومنذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض، بات من الواضح أنّ شعار «أميركا أولاً» تحوّل إلى عقيدة استراتيجية راسخة تعيد رسم ملامح السياسة الخارجية الأميركية، وتعمل على التفكيك التدريجي للبنية التقليدية للنظام العالمي. ومع أنّ هذا الشعار كان حاضرًا خلال ولاية ترامب الأولى، فإنّ تطبيقه اليوم يبدو أكثر صرامة واندفاعًا. وهكذا، شنّت الولايات المتحدة برفقة إسرائيل، «الحرب على الإرهاب» في جميع أنحاء المنطقة، تحت ذريعتَي «الأمن الوطني» و«الدفاع عن الديموقراطية»، ما أدى إلى إلحاق الأذى بالعديد من المدنيين، وتفاقم قضية اللاجئين، وإغراق المناطق المتضررة في حالة من الفوضى.
كلفة حرب السنتين
لقد أهدرت حرب غزة الرأسمال المعياري للنظام الليبرالي الغربي، كذلك للنظام الدولي الذي بُني على احترام الحقوق المدنية، والذي جرت مراكمته بشق الأنفس على مدى عقود من الزمن بعد الحرب العالمية الثانية. كما دفعت هذه الحرب «إسرائيل» إلى ارتكاب أحد أكبر الأخطاء الاستراتيجية في تاريخها، عندما بدأت بتصميم خرائط المنطقة وعرضها بتبجّح على الملأ، الأمر الذي رأت فيه الأطراف الدولية والإقليمية المعنيّة تهديدًا وجوديًا. وفي المقابل، استطاع الشعب الفلسطيني، من تحت رماد غزة ودماء عشرات آلاف الشهداء والجرحى، دفع المنطقة إلى تحوّل جيوسياسي مهم، تتجلى ملامحه في مسألتين بارزتين:
الأولى: تخفيض مرتبة «إسرائيل» في العالم، وفي الفكر والممارسة الأميركيين، إذ لم تعد اللاعب الأول الذي يرسم سياسات واشنطن على مقاس مشاريعه وحساباته الرؤيوية. فقد اكتشفت واشنطن أنّ أيّ حرب إسرائيلية تمثّل استنزافًا لقدراتها وإضعافًا لأصولها الاستراتيجية، وتدهورًا في مكانتها الدولية، وأنّ أيّ حرب تشنّها «إسرائيل» تعني وضع واشنطن على الخطوط الأمامية، وتَحميلها تكاليفها، بخاصة وأنّ نتنياهو ينظر إلى العلاقة الاستثنائية معها على أنّها فرصة للاستغلال، لا شبكة أمان يلجأ إليها عند الضرورة. والدليل أنّ حرب غزة أفرغت مخازن الأسلحة الأميركية، وأضعفت كثيرًا رصيد أميركا الأخلاقي والإنساني والسياسي العالمي. وبناءً على هذه الحقيقة، بدأت العلاقة بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو تشهد توترًا علنيًا ومستمرًا، ذلك أنّ ترامب، يدرك جيدًا الأضرار التي ترتبها سياسات اليمين الإسرائيلي الديني المتطرف على واشنطن، مقابل صفر قيمة مضافة سواء لتوازنات القوى الدولية الراهنة، وتحديدًا مع الصين أو على المصالح الأميركية المباشرة في المنطقة.
الثانية: أنّ الحرب حفّزت مشاريع المنافسة الإقليمية، بل دفعت الدول الفاعلة في المنطقة إلى صياغة مقاربات جديدة بالنسبة إلى علاقاتها الإقليمية والدولية، وأيضًا بالنسبة إلى تموضع «إسرائيل» في خريطة العلاقات وتراتبية القوة في المنطقة. وهذا ما استدعى من هذه الدول نزع قناع المجاملة مع واشنطن، والتوجه نحو استيراد أهم أنواع الأسلحة وأحدثها، وتطوير الصناعات العسكرية المحلية التي بدأت تزدهر بقوّة. ورغم محاولات «إسرائيل» التّفلت بوحشية على ساحات لبنان وغزة وسوريا، وإثبات أنّها ما زالت تملك اليد الطولى، إلّا أنّ تحركاتها باتت تحت المجهر الأميركي. وفي السياق يطرح أندرو ميلر من مركز التقدم الأميركي رؤية نقدية عميقة للعلاقة الأميركية الإسرائيلية، معتبرًا أنّ «الاستثناء الإسرائيلي» الذي ميّز هذه العلاقة قد شارف على نهايته، وأنّ السياسة الأميركية بحاجةٍ إلى إعادة بناء جذرية تعيدها إلى المعايير الطبيعية في التعامل مع الحلفاء. وتكشف التجربة – بحسب ميلر– أنّ هذه العلاقة على الرغم من كلفتها العالية ماديًا ومعنويًا، فإنّها لم تُفضِ إلى أيّ تأثير فعّال على سلوك حكومة نتنياهو. وقد بات هذا التصحيح المتأخّر ضرورة استراتيجية وسياسية وأخلاقية في آن واحد، وأنّه السبيل الوحيد لمنع المزيد من التصعيد الإقليمي، والحفاظ على مكانة الولايات المتحدة، ووقف الانهيار الإنساني في المنطقة، وتفادي عزلة الاحتلال الإسرائيلي الدولية المتفاقمة. كذلك، فإنّ تزايد النشاط الشعبي حول قضايا مثل المحرقة في غزة، وإمكان قيام عالم متعدد الأقطاب، قد يُمثلان ديناميكيات متطورة في كيفية مناصرة حقوق الإنسان وحمايتها في المستقبل. ولذلك، قد يكون من الأدق القول، إنّنا ندخل فترة من التغيير الكبير وعدم اليقين في مشهد حقوق الإنسان، وتفاقم الأزمات العالمية المستمرة.
إعادة النظر في الأولويات
لقد تسبّبت الحروب والصراعات ما بعد 11 أيلول بتهجير وقتل الملايين غالبيتهم من الأطفال. وتزايدت آثار العنف النفسي والجسدي على سكّان المناطق التي شهدت الصراعات. إلّا أنّه مع ارتفاع التضخم في أميركا، وتراكم الديون الوطنية، والتحديات الداخلية، ازداد الضغط على الإدارات المتعاقبة من الداخل والخارج لإعادة النظر في أولوياتها العسكرية والأخلاقية والإنسانية. ومن هنا، دعا الناشطون في حقوق الإنسان، والاقتصاديون وبعض المشرّعين من كلا الحزبين، الأميركيين إلى التركيز على تحسين نوعية الحياة داخل الولايات المتحدة بدلًا من إعطاء الأولوية للإنفاق العسكري الجنوني في الخارج لمصلحة الآخرين.
”بات مستقبل الإنسانية على المحك، في ظل التصاعد المأساوي لوقائع الإبادة الجماعية، والنزعة المتزايدة إلى تجريد الإنسان من إنسانيته وقيَمه الأساسية النبيلة، لمصلحة صراعات جيوسياسية واقتصادية ضيقة.“
”أيّ حرب إسرائيلية تمثّل استنزافًا لقدراتها وإضعافًا لأصولها الاستراتيجية، وتدهورًا في مكانتها الدولية، وأنّ أيّ حرب تشنّها «إسرائيل» تعني وضع واشنطن على الخطوط الأمامية، وتَحميلها تكاليفها، بخاصة وأنّ نتنياهو ينظر إلى العلاقة الاستثنائية معها على أنّها فرصة للاستغلال.“











