موضوع الغلاف

٨١ عامًا…والوطن للوطن

في 17 آب 2006، ومع أولى خيوط الفجر، توجّهت قوافل الجيش إلى الجنوب بعد ساعات قليلة من صدور قرار مجلس الوزراء الذي انعقد استثنائيًا مساء 16 آب، وقضى بانتشار الجيش حتى الحدود مع فلسطين المحتلة، وذلك عقب الحرب التي شنتها ”إسرائيل“ على لبنان وانتهت بإصدار مجلس الأمن الدولي القرار 1701.

يومها عاد الجيش اللبناني إلى الحدود الجنوبية للمرة الأولى منذ اجتياح 1978، وكان انتشاره السريع تأكيدًا لجهوزيته الفورية والدائمة لتنفيذ المهمات المسندة إليه. في الثاني من تشرين الأول 2006، أُنجز الانتشار الذي تم بالتنسيق مع اليونيفيل، وشمل الحدود البرية بأكملها، وأعاد توزيع الألوية والأفواج العاملة في مختلف المناطق اللبنانية. وقد سبقته مرحلة تحضيرية تضمنت إجراءات سريعة لمعالجة الحفر على الطرقات حيث أمكن ذلك، وشق طرقات فرعية في مواضع أخرى، وإقامة معابر مؤقتة على المجاري المائية، وجسورًا حديدية بدلًا من تلك التي دمرها العدوان في مختلف المناطق اللبنانية، ومسك المعابر المؤدية إلى جنوب نهر الليطاني…

 

”إنّه جيش الوطن المنذورة سواعد رجاله ودماؤهم للوطن… جيش ننادي كل من ارتدى بزته وقت الضيق باسم واحد نعرفه، نناديه: يا وطن! “

 

في الأرض التي احتضنت دماء شهدائه

كان انتشار الجيش جنوبًا عقب حرب تموز 2006 استحقاقًا وطنيًا تحيطه الصعوبات من كل جانب. مناطق مدمرة بما فيها من بنى تحتية ومؤسسات وبيوت وأرزاق. دماء الشهداء في كل مدينة وقرية وبيت، تروي حكايات أرض مزّقت ترابها كميات هائلة من الحديد والنار، وحكايات ناس حُرموا نعمة العيش بسلامٍ في أرضهم منذ عقود.

على وقع الزغاريد استقبل المواطنون جيشهم، وبنثر الورود والأرز قدّموا له التحية. في الأرض التي احتضنت دماء شهدائه منذ العام 1948 مع دماء مواطنيه، حلّ الجيش أملًا بغدٍ أفضل وحلمًا بدولةٍ تحتضن أبناءها وتوفّر لهم سبل الحياة.

انتشر الجيش على أرضه وبين أهله. تمركزت وحداته على الخط الأزرق وواجهت القوات الإسرائيلية في عدّة مواقع مؤكدة التزامها حماية الوطن. داخل البلدات والقرى عملت على معالجة مخلّفات الحرب من ألغام وقنابل عنقودية وسواها من ذخائر، أعادت للأرض المزروعة خطرًا مواسم خيراتها. مدّت يد العون حيث اقتضت الحاجة، وبقدر ما كانت الحاجات ملحّة وكثيرة كان عطاء العسكريين سخيًا إذ شملت خدماته مختلف المرافق والمجالات. الوقوف إلى جانب المواطنين ومساعدتهم كان وما زال تعليمات على صفر لكل من ارتدى بزة الشرف والتضحية والوفاء.

عاش الجنوب سنوات من الاستقرار والأمن ولكن… ليس كل ما هو مطلوب لانتظام الحياة مطلوبًا من الجيش. تعقيدات الواقع الصعب لا تكفي لحلّها تضحيات العسكريين…

 

التصدي للإرهاب

فيما كان اللبنانيون يواصلون لملمة آثار عدوان صيف 2006 ظهر الخطر في الشمال، في نهر البارد. ففي صبيحة 20 أيار 2007 استفاق اللبنانيون على خبر صاعق: تنظيم فتح الإسلام الإرهابي يهاجم مجموعة من عسكريي الجيش في جوار المخيم. رد الجيش بقوة خصوصًا أنّ خطر الإرهاب كان يهدد بالأسوأ، وقد سبق ذلك أحداث الضنية مطلع العام 2000. خاض الجيش في نهر البارد واحدة من أشرس المعارك إذ قاتل عصابات مدربة ومجهزة تتمركز في مخيم مكتظ بالسكان. انتهت المعركة مطلع أيلول بالقضاء على التنظيم الإرهابي لكن الثمن الذي دفعه الجيش كان باهظًا إذ استشهد أكثر من 170 عسكريًا من مختلف الرتب، فضلًا عن مئات من الجرحى بعضهم ما زال حتى اليوم يحمل آثار إصابته.

من الشمال إلى الجنوب حيث خاض الجيش اشتباكات مع إرهابيين في عبرا – صيدا صيف العام 2013، بعد أن تعرّضت إحدى مجموعاته للاعتداء. ومن ثم كان عليه أن يدفع مجددًا ثمنًا باهظًا لحفظ الأمن في الشمال بسبب الاشتباكات التي دامت أشهرًا بين مجموعات مسلّحة في باب التبانة وجبل محسن، إلى أن انتهت في العام 2014، وتنفست طرابلس الصعداء مع تنفيذ الجيش عملية انتشار ضمن خطة أمنية وفّرت الأمن والاستقرار للمدينة. لكن في العام نفسه كشّر الإرهاب عن أنيابه مجددًا، سالت دماء شهداء الجيش في عرسال خلال مواجهات شرسة خاضها ضد الإرهابيين المتمركزين في الجرود الوعرة إلى أن قضى عليهم في معركة «فجر الجرود» العام 2017.

 

في مواجهة الأزمات المتعاقبة

اعتبارًا من العام 1990، وبقرار من مجلس الوزراء، اضطلع الجيش بمهمة حفظ الأمن إلى جانب مهماته الأساسية، وقد نفّذ هذه المهمة بكفاءة عالية، فعالج التوترات والإشكالات في مختلف المناطق اللبنانية مانعًا الفتن التي كادت أن تطيح بالاستقرار مرارًا. لكن أبرز وأخطر مهماته في هذا المجال كانت تلك التي نفّذها خلال الاحتجاجات الشعبية التي بدأت في تشرين الأول 2019 من بيروت ثم عمّت المناطق اللبنانية. كان على الجيش أن يحفظ أمن المتظاهرين ويحافظ في الوقت نفسه على المؤسسات والأملاك العامة والخاصة وسط الغضب العارم الذي اجتاح الساحات والشوارع. أمّا الأسوأ فكان وصول فيروس كورونا وتفشيه في لبنان، ومن ثم حصول كارثة انفجار مرفأ بيروت. حدث ذلك كله بينما لبنان فريسة انهيار اقتصادي ومالي كان من بين تداعياتها تبخّر أموال المودعين في المصارف، وتآكل القدرة الشرائية مع فقدان الرواتب نحو 90 في المئة من قيمتها… وسط كل ذلك ورغم كل ذلك نفّذ الجيش مهمته الأمنية بكفاءة عالية محافظًا على حق المواطنين في التعبير السلمي عن آرائهم من جهة، ومانعًا الشغب والتعديات التي تهدد المؤسسات من جهة أخرى. هنا أيضًا دفع ثمنًا باهظًا، لكنّه ظل متمسكًا بمناقبيته متممًا واجبه على أكمل وجه.

وبالفاعلية والمناقبية إياهما تعامل مع جائحة كورونا، سواء كان ذلك على الصعيد الوطني العام، أم على الصعيد الداخلي للمؤسسة. أمّا في كارثة المرفأ فكان أداؤه متجاوزًا لكل التوقعات!

استمرت الأزمات ترمي بثقلها على كاهل المواطنين والجيش في آن، من أزمات السياسة والاقتصاد إلى هواجس تداعيات النزوح السوري وواقع الحدود الشمالية والشرقية، ومئات المشكلات المعيشية والخدماتية… لم يتوانَ الجيش عن القيام بواجبه في أي من المجالات، ولم يوفّر أي جهد للمساعدة رغم محدودية إمكاناته، ورغم ما يُـثقل كاهل عناصره من أعباء وهموم.

 

ثبات وسط جنون الحرب

في أواخر 2023، عاد شبح الحرب ليهدد لبنان انطلاقًا من الجنوب. لم تتأخر الحرب في جلب ويلاتها التي شملت البشر والحجر في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت بفعل آلة الحرب الإسرائيلية. كانت الكلفة أكبر من أن يتحملها بلد يعيش الظروف التي يعيشها لبنان! في أواخر 2024 أسفرت المفاوضات عن توقف الأعمال العدائية والاتفاق على التزام تطبيق القرار 1701. الجيش الذي كان قد أعاد تموضع قواته في جنوب الليطاني وأدى دورًا بارزًا في التخفيف من معاناة المواطنين مقدمًا كل ما أمكن من خدمات، عاد ليعزز انتشاره في القطاع مجددًا. وفي ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية كان عليه أن يعيد مجددًا تموضع قواته التي تعرضت مرارًا لهذه الاعتداءات.

مطلع الربيع الماضي عادت الحرب وهذه المرة بأشرس ما يمكن أن تكون عليه حرب. مُسحت عشرات البلدات والقرى الحدودية وحلّ الخراب محولًا الناس إلى أشلاء والعمران إلى رماد. تفاقمت أزمة النزوح، تجاوزت المآسي كل ما حصل في تاريخ الحروب! وظل التهديد بالمزيد قائمًا… اتجهت الدولة إلى المفاوضات مرة أخرى، ومرة أخرى توجّه الجيش إلى مناطق سُميت مناطق تجريبية.

 

خطوة لعلّها تكون بداية الخروج من النفق

اليوم، وبعد كل ما حصل بين أواخر 2023 وتموز 2026، يعود الرهان على دور الجيش الذي، وفي إطار مواصلة مهماته في المناطق الجنوبية، بدأت وحداته صباح 21 تموز، الانتشار في بلدة زوطر الغربية – النبطية بناء على الاتصالات القائمة مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L. وأجرت الوحدات المختصة مسحًا هندسيًا وعملت على تفجير ذخائر غير منفجرة. وقد دعت قيادة الجيش المواطنين إلى عدم التوجه إلى البلدة ريثما يستقر الوضع الأمني، والتقيد بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة حفاظًا على سلامتهم. وأثناء تنفيذ هذه الوحدات عملية الانتشار في بلدة زوطر الغربية، أطلقت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار على مقربة منها. ردّ الجيش ببيان أكّد فيه أنّ الوحدات العسكرية نفّذت انتشارها داخل بلدة زوطر الغربية بعد إجراء الاتصال والتنسيق اللازمَين مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، ولم تدخل بلدة زوطر الشرقية. كما أوضحت قيادة الجيش أنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي اقتربت من أطراف بلدة زوطر الغربية أثناء وجود عناصر الجيش اللبناني داخل البلدة خلال تنفيذ مهمة الانتشار، وأطلقت النار على مقربة منهم، الأمر الذي عرّض العسكريين للخطر وأعاق تنفيذ المهمة الموكلة إليهم. وأضاف البيان أنّ على جيش الاحتلال الإسرائيلي معالجة أي إشكال عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان ومن خلال قنوات التنسيق والاتصال المعتمَدة، عوضًا عن القيام بالاعتداءات.

 

يا وطن…

سبق انتشار الجيش في زوطر الغربية، تسييره دوريات وإقامة حواجز ونقاط مراقبة في بلدات: فرون، والغندورية وقلاويه وبرج قلاويه وكفردونين- بنت جبيل، وقعقعية الجسر- النبطية، وصريفا – صور، في تدبير عكَس الإصرار على تنفيذ جيشنا لمهمته، وثباته في التزام واجبه الوطني. وإذ يأمل اللبنانيون في أن تُشكّل هذه الخطوة بداية الخروج من أنفاق الحروب والدمار، تتوجّه أنظارهم إلى الجيش. جيش لم يُحجم يومًا عن القيام بواجبه، لم يتوانَ عن تقديم التضحيات في أحلك الظروف التي مرّ بها. إنّه جيش الوطن المنذورة سواعد رجاله ودماؤهم للوطن. جيش ننادي كل من ارتدى بزته وقت الضيق باسم واحد نعرفه، نناديه: يا وطن!

«الوطن» للوطن بكل أهله، بكل ترابه وشمسه، بماضيه ومستقبله. هكذا كان وهكذا سيكون دائمًا. وما إن تلوح بشائر عودة الاستقرار وانتهاء الحرب، سيجده المواطنون في بلداتهم وقراهم المدمّرة، يبلسم الجراح، يرفع أنقاض الدمار، يمد اليد للمساعدة في إعادة الحياة إلى الأرض المحروقة. وسوف يحتفون به رغم أوجاعهم فيجمعون ما بقي في حقول بلداتهم من أزهار ليقدّموها إلى عناصره، تمامًا كما فعلوا في الـ 2006 والـ 2007 وفي محطات أخرى كثيرة على مدار ٨١ عامًا…